المغرب: مليكة الزخنيني تعيد الاعتبار لدور البرلمان وتواجه الشطحات السياسية بالفكر الدستوري الرصين

في مشهد سياسي مغربي يطغى عليه، في كثير من الأحيان، الضجيج ولغة الخشب ومنطق “العام زين”، يبرز بين الفينة والأخرى صوت مختلف يعيد النقاش إلى سكته الدستورية والعقلانية. صوت يختار قوة الحجة بدل انفعال الخطاب، وسمو الفكرة بدل الشعبوية. هكذا برزت البرلمانية والأستاذة الجامعية مليكة الزخنيني، عن حزب الاتحاد الاشتراكي، كنموذج لفاعل سياسي في المغرب يجمع بين العمق الأكاديمي والمسؤولية الدستورية.

مليكة الزخنيني ليست مجرد اسم داخل قبة البرلمان المغربي، بل هي أستاذة جامعية وباحثة متخصصة في القانون الدولي والعلاقات الدولية، تُدرّس بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، وتشارك بانتظام في البحث العلمي المرتبط بقضايا العلاقات الدولية والقانون الدولي. هذا الرصيد العلمي لم يبق حبيس الجامعة، بل انعكس بوضوح على أدائها البرلماني، وعلى طبيعة تدخلاتها التي تتسم بالهدوء والدقة والالتزام الصارم بروح الدستور المغربي.

في ردّ وُصف بالمزلزل، أعادت الزخنيني وزير العدل، المعروف بتصريحاته المثيرة وتغريده خارج السرب، إلى مربع الاختصاصات الدستورية، حين شددت بوضوح على أن البرلمان في المغرب مؤسسة دستورية مستقلة، وأن دوره الجوهري يتمثل في الرقابة والمساءلة، لا في التبعية أو التزكية الآلية للعمل الحكومي. كلام بدا بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته، لأنه يختصر جوهر التوازن بين السلط، ويعيد التذكير بالدور الطبيعي للمؤسسة التشريعية داخل دولة الحق والقانون.

ما ميّز موقف مليكة الزخنيني ليس حدّته، بل رصانته. لم تلجأ إلى الاستفزاز، ولم تنخرط في سجال شخصي، بل قدّمت درساً دستورياً هادئاً أعاد النقاش العمومي في المغرب إلى أرضيته السليمة، وأكد أن قوة المؤسسات لا تُقاس بعلو الصوت ولا بالخطابات الشعبوية، بل باحترام الاختصاصات وصيانة مبدأ فصل السلط.

وعكست السيدة النائبة البرلمانية وجهاً مقتدراً ومتمكناً من الوجوه النسائية في المغرب، التي تمتلك حساً قانونياً ووطنياً عالياً، وجرأة محسوبة قائمة على الهدوء والاتزان، من خلال لغة عربية قانونية سليمة وراقية. وذلك رغم تدخلات شاردة وغير مسؤولة صدرت عن وزير العدل، وتغطية سياسية من رئيس مجلس النواب الذي ادّعى عدم علمه بخرجات الوزير، في محاولة مكشوفة لتخفيف وقعها. غير أن البرلمانية أعادت الوزير إلى حجمه الدستوري الحقيقي، بعدما اعتاد تمييع النقاش التشريعي، والهجوم على المتدخلين كلما حاولوا ممارسة حقهم المشروع في النقد والمساءلة.

إن المغرب في حاجة ماسة إلى تطوير الممارسة التشريعية، والارتقاء بالعمل البرلماني إلى مستوى يشرّف صورته داخلياً وخارجياً. وقد آن الأوان لقطع الطريق على الجهلة، وأصحاب الشكارة، والأقرباء، والموالين، والمريدين الحزبيين، حتى يعطي المغرب الجديد الدليل على امتلاكه كفاءات واعدة وطاقات وكوادر ريادية في مختلف المجالات، تساهم في صناعة البناء الدستوري، وتقوية الحس التشريعي، والمشاركة الفعالة في إرساء دولة الحق والقانون.

البرلمانية مليكة الزخنيني تمثل نموذجاً للسمو الثقافي والمعرفي في زمن تتراجع فيه، لدى بعض الفاعلين، قيمة الكلمة، وتتحول فيه السياسة أحياناً إلى مجال للشطحات والسلوكيات السطحية. فهي ترفع شعار الفكر الراقي والنقاش المثقف، وتؤمن بأن الاختلاف في المغرب يجب أن يكون اختلافاً مؤسساً على المعرفة والحجة، لا على الانفعال والتجريح.

إن حضور الزخنيني داخل البرلمان المغربي يبعث برسالة واضحة مفادها أن السياسة يمكن أن تكون امتداداً للجامعة، وأن المعرفة حين تدخل المؤسسة التشريعية تتحول إلى قوة اقتراح ورقابة، لا إلى ترف نظري. كما يؤكد أن أمثال هذه السيدة البرلمانية، وغيرها من النواب المقتدرين، يشكلون صمام أمان حقيقياً ضد تطاول وزراء ونواب الريع على مؤسسة البرلمان، وضد كل محاولة لتفريغها من دورها الدستوري والرقابي. وهي رسالة ذات بعد وطني ودولي، تعكس أن المغرب يملك من الكفاءات ما يؤهله لترسيخ ممارسة ديمقراطية أكثر نضجاً واتزاناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *