المغرب يعيد ضبط نظام برقيات البحث لحماية الحرية وتعزيز الثقة في العدالة.

الوطن24/ الرباط
في خطوة جديدة نحو ترسيخ دولة الحق والقانون، أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة هشام البلاوي، دورية موجهة إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك تدعو إلى إعادة تنظيم نظام برقيات البحث من حيث الإصدار والمراجعة والإلغاء، بما يضمن التوفيق بين متطلبات الأمن وصون حرية الأفراد.
برقية البحث… أداة استثنائية وليست قاعدة
تؤكد الدورية أن برقية البحث، رغم كونها آلية قانونية مهمة لضبط الأشخاص المبحوث عنهم أو تنفيذ أوامر قضائية، تبقى إجراءً استثنائياً يمس حرية المعنيين، إذ تتيح تعميم بياناتهم على الصعيد الوطني وتبقيهم مهددين بالإيقاف، بما ينعكس سلباً على حياتهم الأسرية والمهنية. لذلك شددت رئاسة النيابة العامة على ضرورة حصر استعمالها في الحالات التي يقتضيها القانون حصراً، وبعد التحقق من وجود وسائل الإثبات الكافية.
ضوابط دقيقة وتحيين مستمر
ألزمت الدورية النيابات العامة بالتقيد الصارم بمجموعة من الضوابط أبرزها:
- تعليمات مكتوبة عند إصدار البرقية، مع السماح بالتعليمات الشفوية فقط في حالات الاستعجال أو التلبس.
- مراجعة دورية لجميع البرقيات السارية للتأكد من استمرار موجباتها القانونية، مع الإلغاء الفوري لكل برقية فقدت سببها أو طالها التقادم.
- إلغاء تلقائي لأي برقية بعد حفظ المسطرة، أو إحالة الملف على قضاء التحقيق أو الحكم، أو بمجرد تقديم الشخص المبحوث عنه أمام النيابة العامة.
- تنسيق محكم مع الشرطة القضائية لتحيين لوائح المبحوث عنهم وضبط البيانات بدقة، وتفعيل مقتضيات “الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية” الذي يحدد بدقة شروط النشر والإلغاء.
دلالات حقوقية وإصلاحية
هذا التوجه يعكس إرادة واضحة في تعزيز الحريات الفردية باعتبارها أولوية في السياسة الجنائية المغربية، ويأتي استجابة لتطلعات المواطنين بخصوص حماية كرامتهم وضمان عدم تقييد حريتهم دون مبرر. كما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، ويمثل خطوة عملية لتعزيز ثقة المواطن في القضاء من خلال ضمان شفافية أكبر في تدبير الإجراءات الماسة بالحرية.
تحديات التطبيق
نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بقدرة مختلف المتدخلين على الالتزام بالتعليمات وتحديث آليات العمل. فالأمر يتطلب رقمنة شاملة لقاعدة بيانات البرقيات، وتنسيقاً دائماً بين النيابة العامة والأجهزة الأمنية، وتغييراً في بعض الممارسات التي كانت تسمح بامتداد مفعول هذه البرقيات دون مراجعة دقيقة.
إن الدورية الجديدة لا تكتفي بإعادة ضبط الإجراءات، بل تؤسس لمرحلة جديدة تجعل الحرية قاعدة والأمر بالبحث استثناء، بما يعزز ثقة المواطنين في منظومة العدالة ويضمن توازناً حقيقياً بين مقتضيات الأمن وصون كرامة الأفراد.
