المناظرات الوطنية للجماعات الترابية.. مدخل للتغيير أم تغيير المدخل؟

 الوطن 24/ بقلم:  محمد اهيري*

تشكل السياسة الترابية أو تدبير المجالات الترابية أبرز إهتمامات الدولة بكل مكوناتها وعلى مستوى جميع القطاعات (سياسية، إقتصادية، إجتماعية، ثقافية…)، لكون الجماعات الترابية هي الحاضنة أو المستقبلة والمصدرة للازمات الإجتماعية والإقتصادية وحتى الثقافية. فالجماعات الترابية وعلى رأسها الجهة في العالم وليس فقط في المغرب تعتبر فضاء للتفاعلات وبناء العلاقات المختلفة، ومجالا للديمقراطية والوعي المجتمعي، ومركزا لصناعة القرار، وللنخب السياسية كميدان لطرح الرؤى التدبيرية والتنموية.

   والجهة ومعها باقي الجماعات الترابية تتطلب لتطويرها وتجاوز مختلف المشاكل المستعصية (تدهورالبنية التحتية، وتزايد الأزمات الإقتصادية والإجتماعية)، وغياب الخدمات الأساسية (النقل، والصحة والتعليم)، وضع تصور شمولي استراتيجي من خلال سياسات عمومية أكثر شمولية تكاملية وأكثر عقلانية، وعدم النزوح وراء سياسات محدودة لا تلمس خاصية وبنية الجماعات الترابية تنتظر مناظرات وطنية لإطالة امد المساءلة وتقديم النتيجة.

إن منظومة التدبير الترابي تتوفر على كل مقومات النجاح من اليات قانونية وتدبيرية ومؤسساتية، وحتى المالية، وما ينقص تطوير الجماعات الترابية هو وجود كفاءة ومدبر يمتلك الحس والتفكير المقاولاتي، وليس التنظير والنصوص القانونية والتنظيمية، وجعلها سكوك يحتمي فيها الأمي، وعديم الكفاءة والمسؤولية. فكما جاء في مبدأ بيتر ليس كل مدبر له ماض في التسير والحكم قادر على قيادة التغيير، إذ أن المسؤولية تتطلب المهارة والكفاءة التقنية من أجل استثمار كل ما هو نظري سياسي على أرض الواقع في مواجهة المشاكل والصعوبات.

الحديث عن المناظرات هنا لا يعني بأنها حدث طارئ أو غريب في الحياة السياسية والإقتصادية والإدارية بالمغرب، ولكن في إعتقاد المدبر المغربي سواء كان شخصا ذاتيا أو معنويا هي الخلاص من العقم التدبيري الذي يعانيه المغاربة، والتهرب من تحمل المسؤولية، وتقديم البدائل والحلول في مواجهة المطالب المتزايدة.

والهدف من هذه المناظرات هو البحث عن تحقيق الفعالية والنجاعة، وسبل الرقي بالتدبير العمومي والترابي على السواء، والوصول إلى نموذج تدبيري يعطي بدائل للمدبر العمومي، ويغير من واقع الجماعات الترابية والساكنة. إضافة إلى إعتماد نظام لتدبير النفقات والموارد العمومية وجعلها في خدمة العدالة المجالية، وبالتالي تحقيق الهدف الرئيسي لهذه المناظرات.

ومدخل التغيير هنا يعني تغييره بالنسبة لعملية التدبير والتسيير الذي طال لعقود، وان تكون المناظرة مدخلا فعليا وفعالا عندما تكون قادرة على تمكين المواطن أو الساكنة المحيلة من الإستفادة من نتائج هذه المقترحات والتصورات الناتجة عن المناظرة، كما تهدف ليس فقط إلى الفعالية ولكن حتى الإستمرارية والإستدامة والتي تعتبر أكثر من التغيير.  

إن المراقب لسيرورة المناظرات الوطنية في المغرب يستطيع أن يفهم الدور الذي تلعبه في صياغة نظام تدبيري ترابي جديد، فالمجالس الترابية في المغرب غير مستقلة، وما زالت الحكومة والداخلية تهيمنان على عملهما، إذ أن المنتخب المحلي يفضل تحكم هؤلاء بدلا من إعطائه الحرية التدبيرية في إطار التدبير الحر وإثبات نفسه وبرنامجه الذي وعد به المواطن، وأصبح يلجأ إلى كنف وزارة الداخلية لتغطية عجزه في التدبير، والإفلات من العقاب على سوء النتائج.

وما أعنيه من تغيير المدخل هو هل هذه المناظرات الوطنية عبارة عن غطاء للنخبة الترابية للتملص من صلاحياتها ومسؤولياتها التي خصها بها الدستور والقوانين التنظيمية الجديدة المتعلقة بالجماعات الترابية، ثم التعاقد بين الأحزاب السياسية من خلال ممثليها مع المواطنين. وينضاف كذلك إلى هذا إتخاذ النخبة المحلية لهذه المناظرات ذريعة لمد نفوذها ونفوذ الفساد الذي تمثله أو الجهات الحزبية التي تمثلها، ووسيلة للتهرب من المسؤولية والإختباء وراء عامل الوقت والوصاية وإنتظار أوامر التفعيل.

وما يجب الإشارة إليه كذلك هو أن هذه المناظرة ستخرج كسابقاتها دون مخرجات أو نتيجة تذكر بالرغم من التوصيات والمقترحات التي جاءت في هذه المناظرة، ورغم التأكيد الملكي على ضرورة انجاحها وتقديم بدائل وحلول من خلال الرسالة الموجهة للمشاركين، والسبب هو أنه لا يوجد لدينا كفاءات ومدبرين قادرين على تحمل المسؤولية، فضلا عن غياب الضمير الأخلاقي والتدبيري…

إن ما نتج عن المناظرة الوطنية للجهوية المتقدمة هو تكريس لما هو موجود حاليا من عجز تدبيري وتنموي عكس ما هو منتظر، وإنتاج غطاء من نوع اخر لمكتسبات وامتيازات اخرى لصالح رؤساء الجماعات الترابية والدليل هو ذاك الإطار المرجعي لإختصاصات الجهة الذي يعيد قراءة ما جاء في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وبالتالي نصبح أمام تراجع وعجزعمومي يؤدي بالمغرب إلى مراتب متدنية في سلم التنمية.

هذه الأوضاع المزرية التي تعيشها المجالات الترابية تتطلب وتُلقي على عاتق كل الفاعلين خصوصا المحليين مسؤولية العمل والمساهمة في إعداد سياسة واضحة ترسم مستقبل التنمية المجالية وإعداد التراب الوطني، وإستثمار كل المؤهلات والإمكانيات التي تتوفرعليها الجماعات الترابية خاصة في المجال الإقتصادي والسياحي، والثقافي بعيدا عن المناظرات والوجبات والحفلات… والعمل على تفعيل كل الاليات القانونية التي منحت للجماعات الترابية من أجل ملائمة المشروع الترابي مع تطلعات المواطنين، ومتطلبات التحديث في تدبيرالمجال الترابي في تناسق تام مع توجهات الدولة والبرامج الحكومية في تحقيق التنمية المندمجة والعدالة المجالية.

ولتدبير جيد ومحكم للمجالات الترابية عامة يجب القطع مع الممارسات والسياسات التدبيرية الأحادية التي أثبتت فشلها ومساهمتها في تأزيم وضعية الجماعات الترابية، وإعتماد مقاربات تدبيرية جديدة كتلك التي جاءت بها القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، والوثيقة الدستورية لسنة 2011 منها تفعيل المحاسبة على كل الإختلالات التي تعيشها الجماعات الترابية، ثم تبني المقاربة التشاركية في عملية التدبير عبر إشراك السكان وتقصي أرائهم حول المشاكل والصعوبات التي يواجهونها كمواطنين محليين يعيشون في هذه المجالات، ثم تشخيص الحاجيات والإمكانيات من أجل ملاءمتها وتكاملها.

والمسؤولية يتحملها المدبرون المحليون الذين انتخبهم المواطن المغربي من أجل تحسين وضعيته المعيشية، وتيسير نمط عيشه وتوفير قوته اليومي بأمان وبدون مشاكل، هذه المسؤولية اسندت لمن يقود عملية التدبير الترابي في بلد قائم على المؤسسات يطمح للتطور والإزدهار، فمسؤولية المدبرين المحليين هي جعل المجالات الترابية قاطرة للتنمية الإقتصادية والإنتاجية والمنافسة في ظل العولمة الإقتصادية والثقافية، وقطبا للتنمية والإندماج الإقتصادي والإجتماعي، ومجالا لتوطين الشركات والرساميل المنتجة للثروة، وتطوير الرأسمال المادي، ولكن بأي وسيلة؟.

نص الدستور في الفصل 31 على حق المواطنين للإستفادة من جميع الحقوق على قدم المساواة، كالصحة والتنقل، وكل المرافق والخدمات الضرورية، والحق في التنمية المستدامة الذي يضمن تحقيق العدالة المجالية والإجتماعية، والتضامن الترابي. والجماعات الترابية مطالبة بتحمل المسؤولية في تحقيق الرفاهية للساكنة، خاصة في وجود إصلاحات قانونية مهمة جاءت بمجموعة من الإختصاصات المتعلقة بالتنمية المحلية، وتوفير وتقريب الخدمات الأساسية من السكان. لكن ما نلاحظه هو عكس ما نصت عليه القوانين، وعكس ما التزم به المنتخبون والأحزاب السياسية في برامجهم الإنتخابية والتنموية حتى جعلوا المجال الترابي مكانا يضيق فيه العيش على قاطنيه، أولا بوجود أشخاص غير قادرين على مواكبة الدينامية الترابية، وثانيا بسبب غياب الموارد والخدمات الأساسية.

 إن ضعف الحكامة التدبيرية لدى المسؤولين والمنتخبين المحليين، فوت فرصة مهمة للنهوض وتطوير المجالات الترابية بسبب سوء التدبير وقلة التخطيط، وعدم وضع تصورشمولي إستراتيجي للإشكاليات الترابية بعيدا عن المناظرات الوطنية التي تستهلك الزمن السياسي والتدبيري، فالتخطيط والتفكير الإستراتيجي هي اليات منحتها القوانين التنظيمية للجماعات الترابية من أجل حل المشاكل والإستجابة لتطلعات المواطنين، هذا التدبير السيئ أدى إلى ظهور عدة صعوبات وإكراهات على مستوى عدة مجالات، جعلت من الجماعات الترابية مرتعا لكل المشاكل في وقت تسعى فيه كل الدول إلى جعل الفضاء الترابي فضاء للتنمية والتعايش.

وبهذا تصح المطالبة بتقوية وتركيز الوصاية على المجالس المحلية، لان من تفرض عليهم الوصاية في القانون هم الاشخاص الغير المؤهلين والغير قادرين على تحمل المسؤولية وتدبير شؤونهم، والوفاء بوعودهم، وبالتالي لا يُعذر الجاهل بالقانون.

*باحث في التدبير العمومي

تعليق واحد

  1. بالفعل تشكل السياسة الترابية أبرز اهتمامات كل الفاعلين، الدولة والجماعات الترابية بأبعادها الثلاث، وحتى المواطن، وذلك لأنها هي الرهان المستقبلي في تفعيل ومعالجة قضايا المجتمع، السياسية والإقتصادية والإجتماعيةو…ولماذا هذا الدور؟؟ لأننا في فترة زمنية تحتاج إلى تفعيل دور الجماعات الترابية كدور استراتيجي في التنمية، وفي سياسة القرب، كما تحتاج إلى اسوب جديد في التدبير اللامركزي والترابي، ونهج سياسة تدبيرية تشاركية جديدة، بالإضافة إلى تفعيل المفهوم الجديد للسلطة الذي لم يعد حكرا على المركز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *