حين يسقط قناع التسامح.. غزة تفضح نفاق دعاة العيش المشترك وحوار الحضارات

الوطن 24 / بقلم: نعيم بوسلهام
في كل مرة تُرتكب فيها مجزرة جديدة في غزة، أو يُداس ما تبقى من القانون الدولي تحت جنازير آلة الحرب الإسرائيلية، يخرج علينا جيش من المُنظّرين لسرديات “التسامح” و”العيش المشترك” و”حوار الحضارات”، يوزعون الخطب الرنانة عن الإنسانية والتعايش، بينما الدم الفلسطيني يُراق على المباشر، والخراب يتمدد، والأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض. إنها مفارقة أخلاقية فاضحة تكشف أن جزءاً كبيراً من هذا الخطاب ليس سوى قناع تجميلي لنفاق سياسي وحضاري غير مسبوق.
المشهد الأخير الذي أعاد تعرية هذه السرديات الزائفة، كان ما أقدم عليه وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، حين ظهر وهو يهين ويشتم ويهدد مختطفي “أسطول الصمود”، بينما كانوا مكبلين، معصوبي الأعين، ووجوههم إلى الأرض، في مشهد أقرب إلى استعراض سادي للقوة منه إلى سلوك دولة تدّعي الانتماء إلى “العالم الديمقراطي المتحضر”. لم يكن الأمر مجرد تجاوز فردي؛ بل كان تعبيراً مكثفاً عن عقلية استعمارية ترى نفسها فوق البشر وفوق القوانين وفوق الأخلاق.
كل دول العالم التي كان لها مواطنون ضمن “أسطول الصمود” سارعت إلى إدانة ما جرى، واستدعت سفراء إسرائيل للاحتجاج على هذا الانحدار الأخلاقي والدبلوماسي. وحدها أصوات كثيرة في العالم العربي والإسلامي بدت كأنها أصيبت بالخرس السياسي. أما وزارة الخارجية المغربية، فقد اختارت مرة أخرى لغة الصمت المريب، وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأن الحديث عن إسرائيل يفرض عليها حالة من الشلل الدبلوماسي المؤقت.
هذا الصمت لا يمكن عزله عن التحولات التي جعلت بعض النخب العربية تتعامل مع إسرائيل باعتبارها “شريكاً حضارياً” في مشروع “التعايش”، رغم أن الوقائع اليومية تنسف هذه الأسطورة بالكامل. فأي تعايش يمكن الحديث عنه مع حكومة تضم شخصيات مثل بن غفير، الذي لم يكتفِ بالتحريض ضد الفلسطينيين، بل صرح قبل أيام فقط بأن “البصق على المسيحيين لا يجب أن يكون جريمة”، مضيفاً أن “المسيحيين نجسون، ويجب عندما تراهم أن تبصق عليهم”. إنه خطاب كراهية صريح، لو صدر عن أي مسلم في أوروبا أو أمريكا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتحولت الشاشات إلى منصات تعبئة ضد “التطرف الإسلامي”.
لكن لأن الأمر يتعلق بإسرائيل، فإن المعايير الأخلاقية الغربية تُصاب بعطب مفاجئ. قبل أسابيع أيضاً، تداولت وسائل الإعلام مشاهد لجندي إسرائيلي يحطم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان، وآخر يضع سيجارة في فم تمثال للسيدة العذراء، في سلوك استفزازي يحمل احتقاراً صارخاً للمقدسات المسيحية. ومع ذلك، لم نرَ موجة الغضب الكونية التي نشهدها عادة عند أي إساءة رمزية في الاتجاه المعاكس. اكتفى البابا فرنسيس ببيان خافت، بينما خيم الصمت على كثير من الكنائس والمؤسسات التي لا تتوقف عن إعطاء الدروس للعالم في “ثقافة التسامح”.
إن ما يجري اليوم يفضح بشكل كامل زيف خطاب “حوار الحضارات” عندما يتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم فقط لتأديب الضحية، بينما يُمنح الجلاد حصانة أخلاقية وسياسية مطلقة. فالحوار الحقيقي لا يمكن أن يقوم بين مستعمِر يقتل ويهجّر ويحاصر، وبين ضحية يُطلب منها أن تتقن لغة “التسامح” وهي تحت القصف. والتعايش لا يُبنى فوق جماجم الأطفال ولا فوق ركام المدن ولا فوق الإذلال اليومي لشعب كامل.
لقد تحولت مفاهيم نبيلة مثل التسامح والعيش المشترك في يد بعض النخب إلى مجرد شعارات استهلاكية تُرفع في الندوات الفاخرة والفنادق المصنفة، بينما الواقع يكشف أن العالم يعيش واحدة من أكثر مراحل الانهيار الأخلاقي فجاجة. فحين يصبح القاتل ضيفاً دائماً على موائد “الحوار”، وتصبح الضحية مطالبة بالصمت باسم “السلام”، فإننا لا نكون أمام مشروع إنساني، بل أمام عملية تبييض ممنهجة للعنف والاستعمار.
الرسالة اليوم واضحة: لم يعد ممكناً خداع الشعوب بهذه العناوين البراقة. لأن صور الأطفال تحت الأنقاض، والمعتقلين المكبلين، والمقدسات المُهانة، أبلغ من كل خطب “التسامح” التي يتاجر بها المنافقون السياسيون والمثقفون. التاريخ لا يرحم، والشعوب أيضاً لا تنسى من وقف مع الإنسان، ومن اختبأ خلف البلاغات الدبلوماسية الباردة، ومن حوّل “العيش المشترك” إلى ستار للصمت على الجريمة.
