ضرورة تدخل الدولة لتنظيم ميدان الصحة النفسية ومكافحة الانتحال تحت أسماء مستعارة مثل “خبير استشاري” أو “مدرب نفسي

الوطن 24 / بقلم يوسف باجا اخصائي نفسي اكلنيكي
تشهد مهنة الصحة النفسية في العديد من الدول، ومنها المغرب، حالة من الفوضى نتيجة انتشار أشخاص يمارسون أنشطة علاجية واستشارية دون مؤهلات علمية أو تراخيص قانونية، مستعملين أسماء مستعارة مثل “خبير استشاري”، “مدرب في الصحة النفسية”، أو “مستشار نفسي”، ما يُسهّل عليهم التسلل إلى المجال النفسي وادعاء الخبرة المهنية. هذا الوضع يشكّل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين النفسية ويقوّض ثقة الجمهور في الأخصائيين النفسيين المؤهلين، ويؤدي إلى تدخلات خاطئة، تشخيصات غير دقيقة، وتأخر العلاج الفعلي للأشخاص المحتاجين.
ممارسة مهنة الأخصائي النفسي والمعالج النفسي تتطلب درجة الماجستير في علم النفس أو أحد فروعه التطبيقية، إضافة إلى تدريب ميداني مكثف لا يقل عن 1000 ساعة في مؤسسات معتمدة مثل المستشفيات، المراكز النفسية، وعيادات التأهيل، تحت إشراف مختصين معتمدين. هذا التدريب يضمن اكتساب مهارات عملية في التشخيص النفسي، التخطيط العلاجي، احترام السرية المهنية، التعامل مع حالات حرجة، وامتثال المبادئ الأخلاقية والقانونية. غياب هذا التأهيل يجعل التدخلات النفسية غير علمية ويعرّض الأفراد لمخاطر نفسية خطيرة، بما في ذلك تفاقم الأعراض، فقدان الثقة في المهنة، واستغلال الظروف النفسية والعاطفية للضحايا.
تدخل الدولة يصبح ضرورة ملحّة لضبط هذا المجال وحماية المواطنين، من خلال سن قوانين واضحة تحدد شروط ممارسة مهنة الأخصائي النفسي والمعالج النفسي، تنظيم آليات الترخيص المهني، وفرض العقوبات على من يمارسون بدون مؤهلات، بما في ذلك كل من يستخدم أسماء مستعارة أو مزيفة للتغطية على عدم كفاءته. كما يجب إنشاء سجل وطني للأخصائيين النفسيين والمعالجين النفسيين، إلزامهم بالإعلان عن مؤهلاتهم الأكاديمية وساعات التدريب الميداني، وتفعيل الرقابة على المؤسسات التي تقدم خدمات نفسية. هذا التدخل يضمن الفصل بين الممارس المؤهل والمزيف، ويعزز ثقة المجتمع في العلاج النفسي، ويقضي على الانتهاكات المهنية والأخلاقية.
بالإضافة إلى التنظيم القانوني، يجب أن يرافق التدخل الحكومي حملات توعية مجتمعية لتعليم المواطنين كيفية التحقق من مؤهلات المعالجين النفسيين، التمييز بين الممارس المؤهل والمحتال، وفهم أهمية التكوين الأكاديمي والتدريب العملي في ضمان جودة العلاج النفسي. إن الصحة النفسية ليست مجالاً للتجارب أو الادعاءات المزيفة، بل ميدان يحتاج إلى معرفة علمية، خبرة ميدانية، وأخلاقيات مهنية صارمة، مما يجعل دور الدولة في تنظيم المجال والتصدي للانتحال أمراً حاسماً لحماية الأفراد والمجتمع.
