عن المرحوم فريد الأنصاري والكتابة عن الحركة الإسلامية

الوطن 24/ بقلم: إدريس عدار

المرحوم فريد الأنصاري

الكتابة عن الحركة الإسلامية ليست نزهة، ومن دخلها بالصدفة خرج أو يخرج منها بالصدمة..وليس من اقتحمها بوعي قصد كتابة تاريخ مواز لتاريخها الرسمي، كمن دخلها ملأ للفراغ.. ومن وجد نفسه موصوفا بأنه “متخصص في الحركة الإسلامية” على سبيل التراخي في المفاهيم والتخصصات من العيب أن يصدر أحكاما في حق آخرين يحملون نفس الصفة لأن شهادة الأقران لا تجوز.. والأقران هنا من باب المسامحة اللغوية.. من حقك أن تحكم على منتوج الآخرين لكن من قلة الذوق أن تلغيه..

قرأت لواحد يكتب عن الحركة الإسلامية التعبير التالي “كُتب الكثير في نقد الحركة الإسلامية في المغرب وخارجه. ذلك النقد كان صنفين: صنف من الداخل لكنه ضعيف وفيه مجاملات وسطحي، وآخر من الخارج جله كتبه أشخاص لا يعرفون عن الحركة الإسلامية إلا القليل، وأغلبه ركز على البعد السياسي.

أما البعد الرئيسي للحركة الإسلامية الذي بشرت به وبنت عليه مشروعيتها الشعبية وهو البعد الديني التربوي الاجتماعي فلم يحظ بالاهتمام وتلك مفارقة. إلى أي مدى تعكس الحركة الإسلامية القيم الإسلامية؟ هل هي فعلا حركة تربوية أم سياسية؟ لماذا تبدأ الحركة الإسلامية تربوية وتنتهي سياسية؟ لماذا تقول إنها حركة دعوية لكن السياسة مجرد وسيلة، ثم تنتهي بالسياسة وتتحول الدعوة إلى مجرد وسيلة؟ لماذا تفرز الحركة الإسلامية كائنات سياسية انتهازية كسائر الهيئات السياسية؟. تلك القضايا وغيرها لم تلق الاهتمام الكافي. المغامرة النقدية الوحيدة التي حصلت في المغرب كانت للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله”.

ردنا على هذا الكلام من خمسة أوجه:

الوجه الأول: إن المرحوم فريد الأنصاري لا يمكن تصنيفه بتاتا ضمن نقاد الحركة الإسلامية أو من يكتبون عنها، إلا إذا اعتبرنا كل كلام عن الحركة الإسلامية هو كتابة عنها ونقد لها، فكتابه “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية المغربية… انحراف استصنامي في التصور والممارسة”، حاول أن يجعل منه كتابة عن حقائق تاريخية تُعرف لأول مرة، غير أن الكتاب لا يتضمن الحقائق التي تحدث عنها، وبقدر ما وسّع العنوان نحو الحركة الإسلامية كان القصد نقد تيار “حركة الإصلاح والتجديد” وسط حركة التوحيد والإصلاح.

فريد الأنصاري شخصية مؤسسة لحركة التوحيد والإصلاح وكتابه ليس قراءة نقدية ولكن كتاب عبارة بيانين: بيان خلاف وبيان هروب. فأبناء رابطة المستقبل الإسلامي، الذين اندمجوا مع مجموعة بنكيران، لأجل تكوين حركة التوحيد والإصلاح، شعروا منذ البداية بالخديعة، وهذا حكم استقرائي من خلال لقاءات عديدة مع منتمين لهذا التيار، ويرون أنهم بالقدر الذي حذروا من وجود زعيم حاتم في القيادة وقبل هو التواري بالقدر الذي كان يسوقهم كيفما شاء.. فقبيل الاندماج فاجأهم بإدماج أتباعه في حزب الدكتور الخطيب، وكان أبناء “المستقبل الإسلامي” غير متسرعين في الانخراط في العملية السياسية..وهكذا توالت الصدمات الواحدة تلو الأخرى، ووجدوا أنفسهم في لعبة يديرها بنكيران بعناوين مختلفة. فكان الكتاب بيان خلاف وليس نقدا للحركة الإسلامية..

أما من حيث هو بيان هروب، فالأنصاري مثل غيره من أبناء الرابطة فروا نحو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبالتالي هو إعلان قطيعة قبل الانخراط في مشروع مختلف.

الوجه الثاني: أن كاتب الكلام المذكور له تجربة في شهادة الزور، ومن تبت في حقه مرة واحدة شهادة الزور يصبح مجروحا قانونا وشرعا، والمحاكم لا تقبل هذا النوع من الشهود في أي حال من الأحوال..لثد قام بتقديم كتاب لزعيم سياسي حول “جماعة الإخوان المسلمين”..من حق الزعيم السياسي أن يستعمل الأدوات التي يراها مناسبة لحربه ضد خصومه خصوصا وأن بنكيران كان لا يترك منبرا إلا وأرسل قذائفه تجاهه..لكن شهادة صاحبنا أدخلته ضمن دائرة البحث العلمي..وكتبت حين صدور الكتاب منتقدا إياه من حيث شكل إنتاجه، وكان المقصود هو شهود الزور..

الوجه الثالث: أن القائل كان تحت أعيننا وهو يتلمس الخطوة الأولى في الكتابة عن الحركة الإسلامية، بل دُفع إليها دفعا، بعد أن كان أحد أصدقائه الذي سبقه إلى هذه “اللعبة” يستضعفه، واليوم يقول عنه إنه غبي كما يسيء القول مع “الزعيم” الذي أوصله إلى ما هو عليه بمجرد مغادرته المشهد السياسي..

الوجه الرابع: أن القائل كان موظفا لدى الوهابية السرورية، لمدة سنوات طويلة، ودون الخضوع للزمن الفيزيائي أصبح كاتبا وناقدا متخصصا في الحركة الإسلامية، ولا يمكن بتاتا القفز على الزمن دون وجود “معجزات” و”كرامات” وليست سوى تلك الصادرة من “الزعيم” الذي تنكروا له بمجرد خروجه من المشهد، وليس القائل وحده من فعل ذلك بل كثيرون من أقرانه..ومن كثر القفز على الزمن أنه تنكر لنفسه أيضا، وهو الذي ظل يقدم نفسه كخبير في الحركات الإسلامية، أي أراد أن يقول بما “أنني فشلت في أن أكتب شيئا متميزا عن الحركة الإسلامية وبما أن التوظيف المصاحب لذلك انتهى، فلابد أن أقول أنه لا أحد استطاع أن يكتب عن الحركة الإسلامية”.

الوجه الخامس: ما كتبه فريد الأنصاري، رحمه الله، هو بيان فقط وليس قراءة نقدية، وكتب كثيرون كتابات مختلفة القيمة والجودة حول هذه الحركة، وهناك كتابات أكاديمية كثيرة تقيدت بمرتكزات البحث، لكن هناك كتابات في رصد الحركة وقدمت الكثير..

فيما يخصني باعتباري مهتما بالحركة الإسلامية وشأنها، ومن باب الرصد والمتابعة الميدانية، لا من باب الاعتماد على ما كتبته الحركة نفسها، كتبت عنها الكثير.. مئات المقالات.. وخلافا لما زعمه صاحبنا بأن الغالب على الكتابات عن الحركة الإسلامية هو الطابع السياسي.. كتبت عنها من حيث النشأة والتكوين والفقه والعقيدة والتربية والسياسة.. ورصدت تطورها وشكلت حولها مفاهيم وخطابا حتى أن كل كلمة تصدر عن أبنائها اليوم أضعها وسط هذا النسق ليخرج منه المعنى عن الفعل والقول..