فرنسا: تحرك احتجاجي داخل سجن قرب غرونوبل.. عشرات السجناء يرفضون العودة إلى زنازينهم وسط اكتظاظ قياسي وانتشار الجرذان

لم تعد أزمة السجون الفرنسية تقتصر على الاكتظاظ ونقص الإمكانيات وتدهور البنية التحتية، بل باتت تفرز توترات متزايدة داخل المؤسسات العقابية، في ظل ظروف احتجاز تثير انتقادات حقوقية وقضائية متصاعدة. وفي أحدث هذه التطورات، شهد المركز السجني بمدينة فارْس (Varces)، بالقرب من غرونوبل جنوب شرقي فرنسا، مساء الخميس 29 أكتوبر 2026، تحركاً احتجاجياً بعدما رفضت عشرات السجناء العودة إلى زنازينهم عقب انتهاء فترة خروجهم إلى ساحة السجن.

وحسب ما أوردته صحيفة Le Dauphiné Libéré، فإن الحادث وقع خلال الفترة المسائية، بعدما امتنع عدد من المعتقلين عن الامتثال لتعليمات إدارة المؤسسة والعودة إلى زنازينهم، في خطوة يُعتقد أنها جاءت للتعبير عن احتجاجهم على ظروف الاعتقال والإقامة داخل السجن.

وأكدت مصادر متطابقة وقوع الحادث، كما جرى تداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وثقت جانباً من أجواء التوتر داخل المؤسسة، ما أعاد ملف الأوضاع السجنية في فرنسا إلى واجهة النقاش العام.

لا يمكن فصل هذا التحرك الاحتجاجي عن الوضع المتردي الذي يعيشه المركز السجني بغرونوبل-فارْس، والذي سبق أن كان موضوع تقارير وتحذيرات رسمية من طرف المراقبة العامة لأماكن الحرمان من الحرية بفرنسا.

ففي توصيات استعجالية نُشرت بالجريدة الرسمية الفرنسية في 2 يوليوز 2026، كشفت الهيئة الرقابية عن وضع وصفته بالاستثنائي والخطير، مشيرة إلى تدهور البنية التحتية، وتهالك المباني، وانتشار الجرذان، فضلاً عن اختلالات مرتبطة بالنظافة وظروف الإقامة ونقص الموارد البشرية.

وتكشف الأرقام الواردة في التقرير حجم الأزمة؛ إذ بلغ عدد السجناء بالمؤسسة 478 معتقلاً مقابل طاقة استيعابية إجمالية تبلغ 266 مكاناً، فيما وصل معدل الإشغال داخل جناح اعتقال الرجال إلى 209 في المائة.

ولم تتوقف مظاهر الاكتظاظ عند تجاوز الطاقة الاستيعابية، بل تحدث التقرير عن ارتفاع عدد المراتب الموضوعة على الأرض من أربع مراتب خلال زيارة يوليوز 2023 إلى 52 مرتبة بعد أيام قليلة من زيارة المراقبين في مارس 2026، في مؤشر على حجم الضغط الذي تعيشه المؤسسة.

كما سجلت الهيئة الرقابية أن بعض السجناء يضطرون إلى تقاسم الزنازين في ظروف لا توفر الحد الأدنى من المساحة الشخصية والراحة، وهو ما أثار مخاوف جدية بشأن احترام الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للمعتقلين.

وأمام رفض السجناء العودة إلى زنازينهم، استدعت إدارة المؤسسة فرق التدخل والأمن الإقليمية التابعة لإدارة السجون الفرنسية، المعروفة اختصاراً باسم (ERIS)، وهي وحدات متخصصة في التعامل مع الاضطرابات والحوادث الأمنية داخل المؤسسات العقابية.

وتدخلت الفرق المتخصصة خلال بداية المساء، وتمكنت من إنهاء حالة التوتر وإعادة السجناء المعنيين إلى زنازينهم.

وبحسب المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام فرنسية، انتهى التدخل دون تسجيل إصابات أو أضرار مادية، فيما أعادت الواقعة طرح التساؤلات حول العلاقة بين ظروف الاحتجاز المتدهورة وتصاعد التوترات داخل المؤسسات السجنية.

ولم تقف تطورات القضية عند حدود التدخل الأمني، إذ شهد يوم الجمعة 30 أكتوبر تطوراً قضائياً لافتاً، بعدما أصدر قاضي الأمور المستعجلة بالمحكمة الإدارية في غرونوبل قراراً يقضي بإلزام الدولة الفرنسية باتخاذ ثمانية تدابير لتحسين ظروف الاحتجاز داخل المؤسسة السجنية.

وجاء القرار استجابة لتحرك قانوني قاده المرصد الدولي للسجون، بمشاركة هيئة المحامين بغرونوبل، للمطالبة بوضع حد للاختلالات التي تمس الحقوق الأساسية للمعتقلين داخل هذا المركز.

ويعكس هذا التطور انتقال أزمة سجن فارْس من دائرة الانتقادات الحقوقية والمهنية إلى مستوى المساءلة القضائية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات استمرار الاكتظاظ وتدهور المرافق ونقص الموارد البشرية.

وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على أزمة أوسع تواجه المنظومة السجنية الفرنسية، في ظل تزايد أعداد المعتقلين وتراجع القدرة الاستيعابية لعدد من المؤسسات العقابية.

فبحسب معطيات المراقبة العامة لأماكن الحرمان من الحرية، بلغ عدد السجناء في فرنسا 88 ألفاً و829 معتقلاً مقابل 63 ألفاً و237 مكاناً متاحاً على المستوى الوطني، وفق إحصائيات فاتح يونيو 2026، فيما كان 7608 سجناء ينامون على مراتب موضوعة على الأرض.

وتضع هذه الأرقام السلطات الفرنسية أمام تحديات متعددة، لا تتعلق فقط بإدارة المؤسسات والحفاظ على الأمن داخلها، وإنما أيضاً بضمان حقوق المعتقلين، وتحسين ظروف عمل الموظفين، وتوفير البنية التحتية والموارد اللازمة لتدبير المؤسسات العقابية.

وبين تدخل الوحدات الأمنية لاحتواء التوترات والتحذيرات الحقوقية والأحكام القضائية المطالبة بتحسين ظروف الاعتقال، تبدو واقعة سجن فارْس أكثر من مجرد حادث عابر؛ إنها مؤشر جديد على حجم الأزمة التي تواجه السجون الفرنسية، وعلى الحاجة إلى معالجة تتجاوز الحلول الأمنية نحو إصلاح حقيقي لظروف الاحتجاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *