قراءة في بعض تجارب العدالة الانتقالية في العالم

مساهمة في إغناء النقاش والبحث نعرف ببعض تجارب العدالة الانتقالية عبر خطاطة مركزة حول تجربة كل من البرازيل. الأرجنتين جنوب إفريقيا ودورها في إحداث التحول إلى الديمقراطية بعد إرساء كل منها مقاربتها الخاصة لطي صفحة الماضي.

  1. البرازيل:

عاشت البرازيل في ظل نظام ديكتاتوري بين سنة 1965 و 1985. استمرار هذا النظام العسكري لهذه المدة لم يكن سهلا. من أجل ذلك عرفت حقوق الإنسان عدة خروقات وانتهاكات*1*

اعتمد الجيش من أجل استقرار السلطة وإضفاء المشروعية على السياسة القمعية من خلال التركيز على ما يسمى بالمقررات المؤسساتية[1]. أي أن البنيات الرسمية المحدثة تكرس المقاربة القمعية. لتجد نفسها في فترة تاريخية معينة غير قادرة على ضمان الأمن والنظام*2*

كل ذلك أدى إلى اللجوء إلى طرق القانون والتشريعات وبالتالي تدهور دولة القانون القتل الاختطاف. الاعتقال وتفويضها هذا لخرق السافر لما أطلق عليه بعصابات أو فيالق الموت .

رد فعل الشارع البرازيلي كان متجاهلا لذلك، واعتباره إياه يدخل في إطار حملة التطهير تعوض عدم فعالية المؤسسات السجنية*3*.

زاد من حدة ذلك التأزم الاقتصادي الذي أشر على بوادر فعالية النظام السياسي.

تهديد السلطة السياسية القائمة دفعها إلى إجراء انفتاح سياسي. شكل انتقالا بدون قطيعة. عبر ما يعرف بقانون النسيان سنة 1979 الذي ارتكز بالأساس على فكرة العقد الاجتماعي والمصالحة الوطنية. والعفو عن المتهمين من ضحايا الانتهاكات. وبالمقابل كذلك الإعفاء عن المسؤولين المدنيين والعسكريين الذين مارسوا انتهاكات حقوق الإنسان.

تجاهل المجتمع البرازيلي لأشكال العنف الممارس من قبل النظام، دفع هذا الأخير إلى تكثيفه على الطبقات الشعبية، وبالتالي استطاع قانون النسيان أن يلعب دورا مهما في تكريس الإفلات من العقاب. وتعميم العنف في العلاقات الاجتماعية العادية[2].

بوصول كاردوسو للحكم، سن قانون 4 دجنبر 1995 كان محوره مبدأ ” المصالحة والسلم الوطنيين” وإعادة إحياء الماضي من أجل تطعيم الحاضر والإعداد للمستقبل، تزامن ذلك واعتراف الدولة بمسؤوليتها عن الخروقات، ومباشرة إصلاحات تروم تقوية وتحصين حقوق الإنسان. كمصادقة الحكومة سنة 1996 على البرنامج الوطني لحقوق الإنسان طبقا لتوصيات إعلان وبرنامج فيينا. تحريم حمل السلاح ومراقبته.

كل ما صاحب قانون 4 دجنبر 1995، بعد خطوة هامة في الطريق نحو الديمقراطية لحقوق الإنسان، بإلغاء الشرخ بين الواقع والقوانين، وعدم تجريئ حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتفعيل ذلك ضمن السياسات الحكومية .

  • الأرجنتين:

يعد الأرجنتين بلدا متقدما اقتصاديا، إلا أنع غير مستقر سياسيا. بدليل كثرة الانقلابات العسكرية التي عرفتها الدولة، وهيمنة الجيش على زمام السلطة ومجمل الحياة السياسية، عجل بفشل العمل السياسي، وتدهور الحياة الاقتصادية، الأمر الذي فتح الباب أمام العنف السياسي لضمان الاستمرارية، حتى أصبح يطلق عليه وسط الفاعلين والجماهير الارجنتنية بالحرب الوسخة[3]. على اعتبار الأرجنتين عرفت أعنف نظام ديكتاتوري في شعوب أمريكا اللاتينية بين سنة 1976 و 1984.*5*

إرهاب الدولة هذا الممارس من قبل الطغمة العسكرية، أصبح سياسة حكومية ممنهجة بدءا بمنع الأحزاب السياسية، ومرورا بوضع النقابات والجامعات تحت الرقابة، وانتهاء باستراتيجية القتل والاختطاف، التعذيب والاعتقال بدون محاكمة من أجل إسكات كل صوت معارض، تحت ذريعة استتبات الأمن والنظام العامين.*6*

وتضليلا للرأي العام الأرجنتيني، وصرف أنظار المواطنين عن الأزمة الاقتصادية، دخل الجيش في حرب خارجية هزم فيها. دفعت القادة العسكريين إلى التنازل عن السلطة وتسليمها إلى المدنيين، بعد إصدار مجموعة من القرارات تضمن للظغمة العسكرية عدم المساءلة عن الجرائم التي تم ارتكابها من قبلهم الوثيقة النهائية للحرب ضد التمرد والإرهاب ” قانون التهدئة المدنية”.

إصدار قرارات لم يمنع القادة العسكريين من المساءلة عن الأخطاء التي ارتكبوها في مجال حقوق الإنسان باعتبار يشكل نقطة جوهرية في بناء الديمقراطية ودولة الحق والقانون، ونوع من الإجابة عن التمزق الاجتماعي الذي خرب العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ولأجل تكريس نوع من الأخلاق السياسية والمشروعية، وإعادة بناء الثقة عبر وضع قواعد تخليق الحياة العامة. تمثل ذلك بالأساس في إحداث لجنة مكلفة بالبحث في ماضي الانتهاكات، وإصداراتهم لبعض كبار العسكريين الذين تناوبوا على الحكم منذ 1976 إلى [4]1983. لجنة الحقيقة هذه تمتعت بصلاحيات مهمة في الحصول على المعلومات الضرورية وجمع الأدلة خاصة عن الانتهاكات المرتكبة من قبل قوات الأمن وإعداد، وإعداد التقارير، وتخويل القضاء[5] مهمة تحديد المسؤولية ومعاقبة مرتكبي الجرائم السياسية، وفي خضم عمل اللجنة فتحت جمعيات حقوق الإنسان ملفاتها للجنة. وتفتيش مقرات الاعتقال ونبش المقابر السرية، وعودة المنفيين، الإدلاء بالشهادات حتى في السفارات والقنصليات خارج الأرجنتين.*7*

انتهت أعمال اللجنة بعد وضع تقريرها الختامي تحت عنوان ” حتى لا يتكرر هذا” وتحريك مساطير تقديم الوثائق كأدلة إلى القضاء. وبالتالي استطاعت لجنة الحقيقة أن تعيد بناء الذاكرة الجماعية للشعب الأرجنتيني. وإزالة اللثام عن حقيقة ما جرى الأمر الذي جعلها نموذجا حيا يبين أن حكومات مدنية ديمقراطية قادرة على كشف الحقيقة. وتشكيل لبنات الإنصاف في مرحلة انتقالية حرجة. عبر ما عرف ب “هيئة المتابعة والمصالحة” كنمط جديد يعيد التماسك للحياة الاجتماعية والإنسانية بالأرجنتين، وإشراك الجيش في الديمقراطية. وبناء المصالحة الوطنية.*8*

3- جنوب إفريقيا:

مما لاشك فيه أن جنوب إفريقيا، عرفت الميز العنصري عمليا منذ وصول المعمرين البيض 1950 وإدخال نمط الإنتاج العبودي كأسلوب للعمل، ومن ثمة هيمنة البيض على السلطة السياسية.

وجعل السود في خدمة أسيادهم البيض، بدءا بمنعهم من التصويت سياسيا، واقتصاديا بالسيطرة على أجود الأراضي عبر قانون الأراضي المحلية، مرورا ببداية العمل الرسمي بنظام الميز العنصري على أساس تقسيم المجتمع، ومنع اختلاطه واندماجه في المرافق العامة. وانتهاء بتحريم العمل السياسي انطلاقا من خطر الأحزاب وأشكال الرقابة للنقابات والجمعيات. وتخويل القوات الأمنية صلاحية ممارسة القمع والاعتقال بدون محاكمة . مما أدى إلى تكثيف سياسة القمع وتقويتها.*9*

أوائل التسعينات اعتبرت بداية لإلغاء النظام العنصري. والدخول في مرحلة الانتقال الديمقراطي، بتلاقي الإرادة السياسية للفرقاء والفاعلين. ساهم في ذلك كما يعتبر احد المراقبين نهاية الحرب الباردة وتداعيتها بانخفاض دعم النظام العنصري من قبل الغرب. العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، الانقسامات داخل كتلة البيض[6]. توج ذلك بتوافق الفرقاء السياسيين خاصة حزب المؤتمر الإفريقي والحزب الوطني. في وضع دستور انتقالي، وإيجاد صيغة للتعامل. مع الماضي الذي مورس فيه النظام العنصري، هذا الدستور الانتقالي شكل وثيقة للعمل تتجه نحو إعداد دستور جديد، ينبني على المصالحة الوطنية، وإرجاع الأراضي إلى أصحابها. وميثاق جديد لحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي، وإحداث محكمة دستورية جديدة مستقلة، وإنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان.*10*

عمليا الإجراء الأول والثاني يتعلقان بطي صفحة الماضي، أما الإجراءات الثلاث الأخيرة تتعلق بالإصلاحات المؤسساتية.

لجنة الحقيقة والمصالحة عملت على تكريس احترام حقوق الإنسان، واهتمامها بالمصالحة الوطنية والكشف عن الحقيقة ضمن إطار يتجاوز ماضي الخلافات والانقسامات. برصد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الحاصلة في مرحلة 1960 إلى 1994. منح العفو لمن يعترف بالوقائع ذات الصبغة السياسية إجلاء الحقيقة عن أماكن وجود الضحايا، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية والمدنية، وإدلاء الضحايا بشهادتهم والمطالبة بجبر أضرارهم.

في النهاية وضعت لجنة الحقيقة والمصالحة تقريرها الختامي، الداعي إلى العمل وفتح الاقتراحات حول الحقيقة والمصالحة بالشكل الذي يضمن حدا لتلك الانتهاكات. هذه اللجنة خولت لها صلاحيات واسعة من حيث دراسة طلبات العفو وإجراءات البحث والتقصي عن الخروقات المرتكبة في مجال حقوق الإنسان، والاهتمام بجبر الضرر وإعادة التأهيل الاجتماعي والإنساني.

في الأخير يمكن القول على أن هاته التجارب الدولية (جنوب إفريقيا –البرازيل- الأرجنتين) بالإضافة إلى تجارب أخرى الاوروغواي- واليونان فتحت نقاشا قويا حول حقوق الإنسان وتم تأسيس مائدة للحوار بين كافة الأطراف لمعالجة قضية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. هادفة من ذلك توضيح مصير المعتقلين المفقودين والتأكيد من الأماكن التي تتواجد بها جثتهم فنشأت لجن للبحث عن الحقيقة، من خلال مسطرة المساءلة. فالحقيقة تم الإنصاف للوصول إلى الهدف الكبير وهو المصالحة ولكن لكل بلد تجربته من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، وتعامل كل بلد مع المسألة الحقوقية محكوم بمبدأ النسبية، رغم الآمال المعقودة على لجان الحقيقة سلفا.

هاته التجارب  جعلت من مسألة التعامل مع الماضي الأسود تحظى بحظوة لها معنى خاص في تجارب متعددة ولبلدان عدة، فالماضي الأسود وما عرضه من انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان، ألقت بضلالها على الكثير من المواقف مع مسألة القطيعة مع الماضي ولكن القطيعة لا تعني الانطلاق من الصفر بقدر ما ترمي إلى التعبير والتجديد دون فقدان خيط التواصل مع النقطة القوية في ماضي الشعوب وتاريخها.

يمكن القول انطلاقا مما تحدثنا عنه أنه إيمانا بكون العدالة هي مرتكز دولة الحق ولبنة من لبنات بناء المجتمع الديمقراطي، وتأكيدا للشرعية السياسية والهوية القومية. والتشبث بشرعية حقوق الإنسان كونيا. سارت على ذلك العديد من الدول. وفي نفس منوال التجارب التي تحدثنا عنها سابقا ونذكر منها: الشيلي-الاورغواي-الفلبين-اليونان. كما تميزت دول أخرى من الانتقال إلى الديمقراطية بانتفاضات هادئة، وعرفت انتقالا ديمقراطيا بدون عدالة انتقالية انطلاقا من التوافق السياسي والاجتماعي على مستوى السلطة والمؤسسات، السلوك والمشاركة السياسيين، نذكر منها اسبانيا. البرتغال، بولونيا.

لائحة المراجع والهوامش :

  1. Le retour à un régime cire n’a été parachera qu’avec s’élection présidentielle de 1985. mais le rétablissement graduel des libertés avait commence en 1978, lors de facte constitutionnel n° 5 qui serait de base aux pouvoirs d’exceptions. Au même moment, une loi d’amnistrie promulguée le 28 Août 1979 permettait aux responsables militaires de perter l’oubli sur les actes commis pendant les pires années de la dictature. Ainsi dans le cas brésilien. L’auto-amnistrie précédent et .
  2. – اللجنة الكندية للقانون: تقرير الباحثة كاتيا مارتان ص .
  3. نفس التقرير ص 5.
  4. نفس المرجع ص15.
  5. نفس المرجع ص15.
  6. نفس المرجع ص16.
  7. [1] – نفس المرجع ص17.
  8. للمزيد أنظر مقالة ” الميثاق السياسي” بجنوب إفريقيا وميلاد دستور ” حك الحقوق” محله وجهة نظر العدد 17 خريف 2002.
  9. وقد تم التأكيد في هذه المقالة على ان اطراف اللعبة بجنوب افريقيا اختارت المزاوجة بين المدخلين السياسي والدستوري في عملية الانتقال الديمقراطي وعلى أن الدستور الجديد هو دستور حامل لمعالم مؤسسات جديدة قادرة على ترسيخ دولة القانون والمواطنة وهو دستور حامل لمشروع سياسي وفكرة للتنظيم على أساسه، الخصوصية. بالإضافة إلى ذلك إلى ان الاطراف التزموا بكتابة دستور جديد مؤسس على مبادئ ديمقراطية بين الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الافريقي بالاضافة إلى ذلك إلى أن لحظة وضع الدستور المؤقت لسنة 1993 تعتبر بمثابة نهاية لمرحلة مفاوضات وبداية مرحلة تسرب الوثيقة الدستورية إلى القاعدة المحكومة، وتأسيس المجال العمومي الدستوري.
  10. الاطراف التزموا بكتابة دستور جديد مؤسس على مبادئ ديمقراطية بين الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الافريقي بالاضافة إلى ذلك إلى أن لحظة وضع الدستور المؤقت لسنة 1993 تعتبر بمثابة نهاية لمرحلة مفاوضات وبداية مرحلة تسرب الوثيقة الدستورية إلى القاعدة المحكومة، وتأسيس المجال العمومي الدستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *