من «كاف مختطف» إلى قرارات رسمية: كيف انهارت سردية الضجيج أمام الوقائع؟

الوطن24/ خاص
لم يكن الجدل الذي رافق تنظيم كأس أمم إفريقيا سوى نموذج كلاسيكي لصناعة الضجيج الرياضي حين يُفصل النقاش عن الوقائع، ويُستبدل التحليل بسرديات مشحونة بالانطباعات والاتهامات المسبقة.
منذ اللحظة الأولى، وُضعت أحقية الاستضافة موضع تشكيك، ثم جرى الانتقال سريعًا إلى خطاب عدم الجاهزية، والطعن في الملاعب، وصولًا إلى مزاعم غريبة عن “الذكاء الاصطناعي” وتضخيم تقني لا يستند إلى معطيات ميدانية. لاحقًا، تحوّل النقاش إلى الحضور الجماهيري، ثم إلى قصة التذاكر، في محاولة مستمرة لإبقاء الجدل حيًّا بأي ثمن.
غير أن الواقع الميداني فرض نفسه بقوة. البنيات التحتية، وجودة الملاعب، والأرضيات التي حافظت على مستواها في ظروف مناخية صعبة، نسفت جانبًا كبيرًا من هذا الخطاب. ومع توالي شهادات لاعبين، مدربين، وإعلاميين عاشوا التجربة عن قرب، أصبح من الصعب الاستمرار في تسويق رواية الفشل أو الارتباك التنظيمي.
عند هذه النقطة، لجأ بعض الأصوات إلى المرحلة الأخيرة من كل جدل عقيم: الحديث عن الكواليس، والتحكيم، ونظريات المؤامرة، في خليط غير متجانس يفتقر إلى الأدلة بقدر ما يعكس عجزًا عن تقبّل الوقائع. هكذا تحوّل النقاش من تقييم حدث رياضي إلى مساحة مفتوحة للتشكيك المجاني.
لكن كرة القدم، مهما علا ضجيجها، تُحسم في نهاية المطاف بالوثائق والقرارات الرسمية. وقد جاءت قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لتضع حدًا لهذا السجال، وتعيد النقاش إلى إطاره المؤسساتي:
فرض غرامة قدرها 615 ألف دولار على الاتحاد السنغالي بسبب شغب الجماهير والسلوك غير الرياضي لبعض اللاعبين.
تغريم الاتحاد المغربي 300 ألف دولار على خلفية سوء سلوك بعض الجامعيين واللاعبين.
تغريم مدرب المنتخب السنغالي باب تياو 100 ألف دولار مع إيقافه خمس مباريات.
إيقاف اللاعب إسماعيلا سار لمباراتين.
إيقاف إسماعيل صيباري ثلاث مباريات مع غرامة مالية قدرها 100 ألف دولار.
إيقاف أشرف حكيمي مباراتين، إحداهما موقوفة التنفيذ.
هذه القرارات، بعيدًا عن العاطفة والاصطفاف، تؤكد أن المؤسسات الكروية لا تُدار بمنطق الانطباع ولا بمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، بل وفق تقارير، ومساطر، ومسؤوليات واضحة.
في النهاية، لا تكمن خطورة الضجيج في صوته المرتفع، بل في الاستعداد الجماعي لمنحه قيمة لا يستحقها. فليس كل من يثير الجدل يمتلك حقيقة، وليس كل حضور جماهيري دليلًا على المصداقية. أحيانًا، يكون تجاهل الضجيج هو أول خطوة لفهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
