من هدي الجمعة/ الرضا بالله… حين يطمئن القلب لما اختاره الله

الوطن24/ بقلم: ذ. السعيد شخمان
ليس الرضا بالله أن تتوقف عن الدعاء، ولا أن تتخلى عن السعي، ولا أن تستسلم لما يؤلمك دون مقاومة؛ وإنما هو أن تسعى بقلبٍ مطمئن، وأن تدعو وأنت تعلم أن الله يسمعك، وأن تقبل قضاءه حين يأتي بما لم تكن تتوقع.
الرضا هو تلك الطمأنينة العميقة التي تسكن القلب حين يدرك أن اختيار الله له أرحم من اختياره لنفسه، وأن ما من قدرٍ مرّ به إلا وفيه حكمة، وإن خفيت عليه، وما من بابٍ أُغلق إلا وقد يكون وراءه لطف لا يراه إلا بعد حين.
كم من أمرٍ تمنيناه، ثم اكتشفنا أن الخير كان في ألا يكون. وكم من طريقٍ ظنناه ضياعًا، فإذا به يقودنا إلى ما لم نكن نعرف أننا نحتاج إليه. وكم من تأخيرٍ أحزننا، كان في حقيقته حماية، وكم من منعٍ ظنناه حرمانًا كان عين العطاء.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وهنا يكمن سر الرضا: أن يثق القلب بعلم الله حين يعجز عن فهم الحكمة، وأن يثق برحمة الله حين يؤلمه الواقع، وأن يظل حسن الظن بالله حاضرًا حتى في أشد لحظات الانتظار.
ليس الرضا غياب الحزن؛ فقد يحزن المؤمن ويبكي، لكنه لا يعترض على ربه. وليس الرضا غياب الألم؛ فقد يتألم الإنسان، لكنه لا يفقد ثقته بأن وراء الألم ربًّا رحيمًا يدبر الأمر بحكمة.
أن ترضى بالله يعني أن تقول في أعماقك:
يا رب، إنني لا أفهم كل ما يحدث، لكنني أثق بك.
لا أعرف لماذا تأخر ما أريد، لكنني أثق بحكمتك.
ولا أعلم لماذا أُغلق هذا الباب، لكنني أعلم أنك أرحم بي من نفسي.
وحين يبلغ القلب هذه المنزلة، يتغير معنى الحياة؛ فلا يعود كل تأخير خسارة، ولا كل منع حرمانًا، ولا كل نهاية هزيمة.
إن أجمل ما يمنحه الرضا للإنسان أنه يحرره من القلق على ما لم يقع، ومن الحسرة على ما فات، ومن الخوف المفرط مما سيأتي.
فارضَ بالله ربًّا، وارضَ بتدبيره، وخذ بالأسباب، وأكثر من الدعاء، ثم اترك قلبك في كنفه.
اللهم ارزقنا قلوبًا راضية، ونفوسًا مطمئنة، وحسن ظن بك، وثقة لا تتزعزع بحكمتك ورحمتك.
اللهم اجعلنا ممن إذا أعطيتهم شكروا، وإذا منعتهم رضوا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
وفي الجمعة، لعل أجمل ما نطلبه ليس أن تجري الحياة دائمًا كما نريد، وإنما أن يمنحنا الله قلبًا يطمئن لما اختاره لنا.
فالرضا ليس أن تحصل على كل ما تريد، بل أن تجد السكينة فيما اختاره الله لك.
