وصفة الطبيب، وشاعر النيل، وعقدة جوبتر

الوطن 24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري
لماذا يصر الأطباء على كتابة وصفاتهم للمرضى بخط قريب إلى خط الرمل حيث لا يفهمه إلا هم وخبراء الصيادلة ؟ هذا هو السؤال الذي انتابني وأنا أحملق في رموز وصفة أدوية عاجزا عن فهم أسرار رموزها. وتذكرت حكاية شاعر النيل حافظ إبراهيم في قطار صعيد مصر، حين جلس بجوار فلاح صعيدي، فتوسم هذا فيه العلم والنباهة وهو ينظر بإعجاب إلى طربوشه الأحمر المزين بخيوط حريرية سوداء، وهو الطربوش الذي كان علامة تميز بين المتعلمين النبهاء والأميين بمصر في بداية القرن 20. فناول الفلاحُ شاعرَ النيل وصفة طبيب ليقرأها له. وتفحصها حافظ بعيني الشاعر والناقد والمترجم الذي نقل أعجوبة فكتور هوكو(البؤساء) إلى العربية، فلم يَقْشِرْ منها شيئا. وردَّ الوصفة للفلاح معتذرا عن عجزه عن فهم ما جاء فيها. فما كان من الفلاح الصعيدي إلا أن صاح فيه مستهزئا:
– هه! لا تستطيع أن تقرأ بضعة أحرف وتلبس الطربوش الأحمر؟ !
فنزع حافظ، المعروف بدعابته، طربوشه ووضعه على رأس الفلاح الصعيدي، ثم قال له: ” إقرأها أنت يا عمي الآن.”
حقا إنني لا أعلم الشرط التاريخي الذي وُلِدَتْ فيه هذه الطريقة الرمزية الغامضة لوصفة الأطباء التي تشبه رسائل القيادات العسكرية في الحروب، والمخابرات الأمنية في زمن السلم الحذر. لكنني أستطيع أن أرى أن تعاليها العلمي ينسجم مع طبيعة العملية التواصلية التي يعيشها الطبيب يوميا، وهي العملية التي ينعتها علماء التواصل باللاتوازن، لأن طرفيها غير متعادلين، فمن جهة هناك طرف أعلى هو الطبيب العالم بأسرار المرض، ويقابله طرف أدنى هو المريض الجاهل بمرضه وأسرار جسمه؛ مما يترتب عنه ضرورةً إنتاج شخصية طبيب واثق من علمه (دوكماتي: وهو ما يخالف أساس العلم)، ومتعال برأيه الصحيح والقوي على آراء مرضاه المعتلين والضعفاء. ولذلك كان أسوأ وصف نُعِت به الأطباء (الأمريكيون خاصة) هو تلك العبارة التي تَنسِب إليهم مرضا نفسيا خاصا يسميه علماء النفس: “عقدة جوبتر”Jupiter، كنايةً عن مرض العجرفة العلمية والخيلاء النفسي الذي يصيبهم دون وعي.
ولا يتوقف همز الأطباء الأمريكيين عند هؤلاء العلماء، بل لهم خصوم ألَدّ هم المحامون الذين يواجهون عجرفتهم العلمية بعجرفة أخرى قانونية تستند إلى الحيل والمكر التشريعي؛ لذلك يخشى الأطباء الأمريكيون استقبالهم في مصحاتهم. كما أنه لا يوجد في التاريخ عالم حَطَّ من قدر الأطباء مثل عالم الاقتصاد والفيلسوف الشهير آدم سميث الذي هاجمهم هم والمحامين معا، وزاد عليهم رجال الكنيسة معتبرا إياهم أساس الخراب الاقتصادي، ومفضلا عليهم شخص المقاول الذي، بخلافهم، ينمي الاقتصاد ويخلق فرص الشغل.
وبصرف النظر عن خصوم الأطباء من المفكرين والمحامين الأمريكيين، وعن كتابتهم المسمارية الملغزة، لابد من الاعتراف أن الحاجة إلى الطبيب في زمن الوباء تصبح معادِلة للحاجة إلى الماء والهواء. كما أن تضحياتهم بأرواحهم وأمن صحتهم يفوق تضحية الجنود في الجبهة، لأنهم لا يواجهون عدوا مرئيا، بل عدوا خفيا وقريبا جدا ومدمرا. ولذلك لا يملك المرء حقا إلا أن ينحني إجلالا للمخلصات والمخلصين منهم.
