إمارة المؤمنين بين تأصيل النظرية السياسية وخصوصية التدين المغربي: قراءة في أطروحة الدكتور عبد الرحمن العضراوي

‎في ورقته البحثية، الصادرة مؤخراً عن مجلة الاستناد في عددها الثالث عشر، يقدم الدكتور عبد الرحمن العضراوي، رئيس المجلس العلمي المحلي لبني ملال، قراءة معمقة في مشروعية إمارة المؤمنين في النظرية السياسية وتجلياتها في التدين المغربي، حيث يسعى من خلالها إلى الكشف عن الأبعاد الشرعية والعقلانية والواقعية لهذه المؤسسة ضمن سياق الاجتماع السياسي والديني المغربي.

‎وينطلق الدكتور العضراوي من فرضية أساسية مفادها أن إمارة المؤمنين تمثل نموذجاً سياسيا شرعيا وعقلانيا ضمن سياق الاجتماع السياسي والديني المغربي، حيث تبرز الإمارة كإطار مرجعي يزاوج بين ثوابت الوحي وبين دينامية الاجتهاد البشري مما يجعلها نموذجاً مرناً قادراً على استيعاب مفاهيم الحداثة والدستورية.

‎ يعمد الدكتور العضراوي، في ورقته، إلى فحص المدارس الفكرية الإسلامية الكبرى لتحديد موقع إمارة المؤمنين، مؤكداً على انتصار المنظور السني الذي ينزل الإمامة منزلة “المصالح العامة” والاجتهاد بعيداً عن العقائد الجامدة. سياسيا شرعيا وعقلانيا ضمن سياق الاجتماع السياسي والديني المغربي، حيث تبرز الإمارة كإطار مرجعي يزاوج بين ثوابت الوحي وبين دينامية الاجتهاد البشري، ومن وفي المقابل يقوم باستعراض نظريات أخرى، ونقدها، متطرقاً إلى نظرية الخوارج التي تتسم بالغلو وتؤدي إلى الفوضى السياسية برفض ضرورة الدولة، ونظرية الشيعة التي تجعل الإمامة ركناً عقائدياً قائماً على النص والعصمة.

‎في حين يشدد الدكتور العضراوي على الخيار السني الوسطي، إذ إن أهل السنة يرون الإمامة واجبة شرعاً (أو عقلاً عند بعض المعتزلة والأشاعرة) لإقامة أحكام الدين وسياسة الدنيا، مستحضراً هنا تراث الغرب الإسلامي، خاصة ابن خلدون والماوردي، في تحديد وظائف الدولة العشر التي تهدف إلى حراسة الدين وسياسة الدنيا.

‎وتقدم الورقة رؤية نقدية لمفهوم السلطة، مؤكدةً أن شرعية إمارة المؤمنين في المغرب لا تقوم على “القدسية المطلقة”، وإنما على عقد البيعة، موضحةً أن البيعة كميثاق تعاقدي تربط السلطة بالمسؤولية، وهي التزام تبادلي يجمع بين الحقوق والواجبات، حيث تلزم الحاكم بالعدل والأمانة وتحقيق الصالح العام، وتلزم الرعية بالطاعة في المعروف.

‎ويسوق الدكتور العضراوي المقاربة الخلدونية مستلهماً من ابن خلدون مفاهيم “العصبية” و”الملك الطبيعي” و”السياسة العقلية”، ليبين أن السياسة الدينية (إمارة المؤمنين) هي الأكمل لأنها تقوم على “نور اللّٰه”، وتراعي مصالح العباد الدنيوية والأخروية، مناقشاً، في الوقت ذاته، نماذج الشرعية عند ماكس فيبر (الكاريزمية، التقليدية، العقلانية)، ليخلص إلى أن إمارة المؤمنين في المغرب تدمج بين الأبعاد الروحية والقانونية العقلانية، مما يفند القراءات الاستشراقية التي تتوهم صراعاً حتمياً بين ما هو ديني وما هو مدني.

‎ويبرز الدكتور العضراوي مكانة إمارة المؤمنين وخصوصية التدين المغربي، موضحاً كيف شكّلت مؤسسة إمارة المؤمنين صمام أمان للهوية الدينية المغربية عبر التاريخ، في ارتباطها بحفظ الاختيارات المرجعية للمغرب المتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني الجنيدي.

‎وفي ذات السياق يتتبع الجذور التاريخية لهذه المؤسسة، وتطورها منذ عهد الأدارسة، حيث تمت مبايعة المولى إدريس الأول طواعية، وصولاً إلى الدولة العلوية الشريفة التي عززت لقب “أمير المؤمنين” كإطار لتوحيد الأمة وحماية حوزة الدين، في تأكيد على الوحدة المذهبية والروحية، حيث إن انعقاد إجماع المغاربة على المذهب المالكي والوحدة العقدية كان بفضل رعاية إمارة المؤمنين، مما جنب البلاد نزاعات الطائفية وويلات الانقسام.

‎يخصص الدكتور العضراوي، في ورقته، حيزاً مهماً لتجليات المؤسسة في العصر الحديث (إصلاح الحقل الديني)، بداية بالتدابير العلمية والعملية التي اتخذتها إمارة المؤمنين في عهد جلالة الملك محمد السادس لتأهيل الحقل الديني، حيث قامت استراتيجية الإصلاح على ثلاثة أركان: الركن المؤسسي (إعادة هيكلة الوزارة والمجالس العلمية)، الركن التأطيري (تجديد النخب العلمية)، والركن التربوي (التعليم العتيق والتكوين العلمي الحديث).

‎كما تبرز الورقة مظاهر التجديد التي تشمل تعزيز اللامركزية في العمل العلمي، وتفعيل دور المساجد كفضاءات للوعي والإرشاد، وإطلاق “ميثاق العلماء”، بالإضافة إلى البُعد الاجتماعي المتمثل في مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى حماية التدين المغربي من “تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، وتحصين الهوية المغربية من نوازع التطرف والإرهاب.

‎يخلص الدكتور عبد الرحمن العضراوي، في ورقته، إلى أن إمارة المؤمنين ليست مجرد مفهوم تراثي جامد، وإنما هي نظرية سياسية متجددة تستمد روحها من الوحي وتستجيب لمقتضيات العصر، إنها اجتهاد إنساني يهدف إلى تحقيق “حراسة الدين وسياسة الدنيا” في إطار من الاستقرار والأمن الروحي، مما يجعل النموذج المغربي مرجعاً في المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة وبين الشرعية الدينية والمشروعية الدستورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *