الانتقال الديمقراطي المؤجَّل: ماذا بقي من لحظة فوز محمد مرسي؟

‎قبل أربعٍ وعشرين سنة، في مثل هذا اليوم، الرابع والعشرين من يونيو 2012، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر فوز الدكتور محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية بنسبة 51.73% من الأصوات. لم يكن الإعلان مجرد خبر سياسي عابر في الخط الزمني المصري، عقِب صورة 25 يناير، وإنما كان لحظة رمزية كثيفة الدلالات تداخل فيها الأمل بالتوجس، والانتصار الشعبي بالأسئلة الكبرى حول مستقبل الدولة والمجتمع ومسار الثورة.

‎عقب إعلان النتيجة ما برح أن غصّ ميدان التحرير بجموع المحتفلين في مشهد استعاد روح الأيام الأولى للثورة، بدا الميدان مرة أخرى معبِّراً ومجسِّداً للإرادة الشعبية، فبالنسبة لقطاع واسع من المصريين لم يكن فوز مرسي انتصارًا لشخص أو تيار بعينه، بقدر ما كان تتويجًا لمسار بدأ مع ثورة يناير، ومسعى لتحويل الحلم الثوري إلى مؤسسات شرعية منتخبة.

‎كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يصل فيها رئيس مدني إلى الحكم عبر انتخابات رئاسية تعددية حقيقية، وهذا المعطى كان لوحده كفيلا بأن يمنح الحدث بعدًا تأسيسيًا إذ كسر تقليدًا طويلاً من تداول السلطة المغلق، ورسّخ –ولو لبرهة من الزمن– فكرة أن الإرادة الشعبية يمكن أن تجد طريقها إلى قمة الهرم السياسي.

‎غير أن هذه اللحظة كانت تحمل في أحشائها شرعية منقوصة وأسئلة مبكرة، فلم تكن خالية من الظلال، فجاء الفوز بفارق ضئيل، الشيء الذي عكس انقسامًا حادًا داخل المجتمع المصري؛ نصف البلاد أو يكاد لم يمنح صوته للرئيس الجديد، ما جعل شرعيته الانتخابية –رغم صحتها القانونية– محاطة بتحديات سياسية وأخلاقية منذ اليوم الأول فكان على الرئيس المنتخب أن يحكم بلدًا منقسمًا، ومؤسسات مرتبكة، واقتصادًا مثقلًا بالأزمات في ظل علاقة شديدة التعقيد مع الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية.

‎كما أن السياق الدستوري كان ملتبسًا؛ دستور لم يُنجز بعد، وبرلمان حُلّ، وصلاحيات رئاسية غير واضحة المعالم، وفي ظلّ هذا الفراغ المُعتم تداخلت التوقعات الشعبية العالية مع ضيق هامش المناورة السياسية، وهو ما جعل أي خطأ –مهما بدا صغيراً– قابلًا للتضخيم والتحويل إلى أزمة ثقة.

‎ومع انتقال مرسي من موقع الرمز إلى موقع الحاكم تجلّت الأسئلة الصعبة، وطفت على السّطح، فهل يمكن لرئيس منتخب في سياق ثوري هش أن ينجح دون توافق وطني واسع؟

‎وهل تستطيع قوى الثورة، بمكوناتها المختلفة، أن تحافظ على وحدتها بعد الوصول إلى السلطة؟

‎هنا اصطدمت الآمال الكبيرة بواقع سياسي معقد حيث لم تكن أدوات الحكم، ولا الثقافة السياسية السائدة، مهيأة بعد لإدارة انتقال ديمقراطي سلِس كما هو الشَّأن في التجربة التونسية في بدايتها الأولى التي صمدت ردحاً من الزَّمن فاق العشر سنوات.

‎لقد أظهرت التجربة، في عامها الوحيد، أن الشرعية الانتخابية –على أهميتها– لا تكفي وحدها فهي تحتاج إلى شرعية توافقية، وإلى خطاب جامع، وإلى قدرة على إدارة التنوع والاختلاف داخل المجتمع، كما تحتاج بموازاة ذلك إلى وعي عميق بإكراهات الدولة وموازين القوى دون التفريط في جوهر المشروع الديمقراطي.

‎وبعد مرور أكثر من عقد على تلك اللحظة التاريخية في الزمن المصري يمكن القول إن 24 يونيو 2012 يظل علامة فارقة في الذاكرة السياسية المصرية والعربية، ليس لأنه يمثل تجربة حكم تُقاس بمعايير النجاح أو الفشل فحسب، بل لأنه كشف بوضوح حجم الفجوة بين الحلم الثوري وإمكانات الواقع، أو لنقل أنه في حقيقته أبان للإسلاميين عن عمق الهوّة بين الخيال السياسي الذي تشكّل لديهم قبل تولّي الدولة، والواقع السياسي المركّب الذي واجهوه بعد ممارستهم الفعلية للسلطة، وبين الرغبة في التغيير وبنية الدولة المتجذرة.

‎إن فوز محمد مرسي، وما تلاه من تطورات، يقدّم درسًا مركزيًا في مسارات التحول الديمقراطي؛ فالديمقراطية ليست مجرد آلية تمارس عبر الصناديق، وإنما منظومة متكاملة من الثقافة السياسية، والمؤسسات، والتوازنات، والقدرة على إدارة الصراع سلميًا، وحين تختل إحدى هذه الحلقات، يصبح المسار برمته عرضة للانتكاس.

‎على أنه، وأياً كان الأمر، سيبقى ذلك اليوم محفوراً في الوعي الجمعي بوصفه لحظة أمل كثيف، ومفترق طرق حاسم، وبين ألوان الفرح التي رسمت ميدان التحرير، والخيبات التي أعقبت التجربة تتجسد قصة ثورة لم تكتمل، وحلم ديمقراطي تعثّر، لكنه لم يفقد بالضرورة قدرته على الإلهام، فالتاريخ لا يُقرأ فقط بنتائجه، بل أيضًا بدروسه، وربما كان أهم دروس 24 يونيو أن الطريق إلى الحرية أطول وأكثر تعقيدًا مما يبدو في لحظات الانتصار الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *