التطرف: مصائب قوم عند قوم فوائد

الوطن 24/ بقلم: نورالدين حاتمي
تعتزم منظمة “الإيسيسكو” عقد ندوة “علمية” بمناسبة إصدارها الجزء الأول من “موسوعة تفكيك خطاب التطرف” بالتعاون مع “الرابطة المحمدية للعلماء” الغرض منها كما هو مسطر في العنوان هو “تفكيك” الفكر الذي تترافع به، ومن خلاله، جماعات الراديكالية الإسلامية الناقمة على الأنظمة القائمة والداعية إلى إحداث التغيير، و “التفكيك” هنا يحيل على التقويض والهدم والتحطيم لهذا الوعي الإيديولوجي.
السؤال أو قل الاسئلة الجديرة بالطرح هنا هي: إلى متى سيظل هؤلاء يضللون الناس بمثل هذه المغالطات وتوجيههم إلى غير قضاياهم الأساسية والضرورية والحساسة؟ أي هل يكتسي التطرف هذه الخطورة كلها، حتى تستحق عقد هذه المؤتمرات واستدعاء هؤلاء “الباحثين” والمهتمين؟ هل يبدو من المعقول والمقبول أخلاقيا، أن يتورط الشباب في هذه الآفة: التطرف، وأن يدفعوا ثمنه غاليا من حياتهم، ومن مصالح عوائلهم، ليأتي هؤلاء “المؤتمرون” ليغنموا من مصائبهم ومعاناتهم؟ ألا يبدو الأمر مثيرا للشبهة ومُبعثا على الريبة، أن يعمد جمع من “اشباه الشيوخ” إلى تحريض هؤلاء الشباب، والزج بهم في أتون محرق، حتى إذا تورط هؤلاء وقُطع حبل عودتهم، و ُحرقت سفن نجدتهم، انبرى اولئك “الباحثون” للتحذير منهم ومن فتنتهم والتصدي لهم؟ وتكون النتيجة ان المحرضين يستفيدون ويراكمون الثروات، ويتحولون إلى “نجوم” وانبرى أيضا “المحاربون” لهذا الفكر الذي أسسه وبناه “المحرضون”، وكأنهم يقتسمون الثروة ويوزعون الغنائم، كل حسب جهده وبلائه.
ويكون الضحايا أولئك الافواج من الشباب المغرر بهم، الذين أفادوا وما استفادوا: بحيث افادوا غيرهم ممن حرضهم ففاوض بهم، وتحسنت أحواله الدنيوية، التي كان يزعم أنه يزهد فيها، وأفادوا غيرهم أيضا ممن انتصب لردهم إلى الجادة وبيان اعوجاج فكرهم وفساد تدينهم، في حين خسروا، هم، سنين من أعمارهم وخسروا بُعدهم عن عوائلهم، وضُيق عليهم في حياتهم.
وإذا كان التاريخ قد انتقم ممن كانوا سببا في تضييع هؤلاء الشباب والتغرير بهم، وذلك بأن استدرجهم حتى رماهم في المكان اللائق بهم في “قبو النسيان” و “مزبلة التاريخ”: إن كلهم أو بعض منهم على الأقل، وذلك بعد أن افتضح أمرهم وأسقط في يدهم، فإن الذين نهضوا للقيام بـ”الواجب” في الرد على هذا الفكر و بيان تهافته و تناقضاته، لا يزالون يحصدون الارباح و يحصلون المكاسب.
إن القضية هنا هي: عن مدى أهمية هذه “المجهودات” التي يزعم المعنيون بها، أنها ضرورية في معركتهم “الدونكيشوتية” ضد هذا العدو الفتاك: التطرف.
إن التصدي لهذا النوع من المؤتمرات ومواجهة هذا اللون من الكتابات والدراسات، وبيان عوارها وهزالتها وتواضعها، ضروري ضرورة تلك المؤتمرات نفسها.
فهل يعتقد هؤلاء أن المؤتمرات التي تُكلف الجهات المانحة الكثير، أنها ستعود عليهم بكثير فائدة؟ وآلا يعلم هؤلاء أن تلك المؤتمرات ليست إلا تضييعا للمال الذي كان جديرا بأن ينفق في ما ينفع؟
إن من المقطوع به أن تلك المؤتمرات التي يتم عقدها والأوراق، التي يتم عرضها وإلقاءها، لا تساوي شيئا ولا تهم إلا من ينظمها او يلقيها.
ما ذا يعرف هؤلاء الذين تعودوا على كسب المال وعلى الحياة المترفة وعلى النزول في أفخم الفنادق عن أولئك الفقراء المهمشين وعن ظروفهم ومعاناتهم؟
كيف سينصت أولئك الفقراء الذين يعيشون في ظروف لا تسُر حتى العدو، إلى هؤلاء الباحثين الذين تعودوا على التعالي على الناس والتكبر عليهم؟ آلا يلاحظ هؤلاء “الباحثون” و “المفكرون الكبار” لا يخاطبون إلا أنفسهم ولا يتحاورون إلا فيما بينهم وأن المقصود بالخطاب، والمعني به، غائب عنهم. وحتى إذا حضر أحد منهم فإن حضوره يكون حضورا باهتا ومشروطا، وأن هؤلاء يتجنبون تماما الإنصات إلى ذلك الصوت المغاير والمخالف، مخافة أن يحرجهم ويزعجهم، ومخافة أن يفضح فساد طروحاتهم.
هل يستطيع هؤلاء “الباحثون المشهود لهم” وبالأخص الذين لهم اطلاع على التراث أن ينكروا أن الفكر “المتطرف” فكر أصيل بمعنى ما، والتنكر له من قبلهم، لا يغير من الحقيقة شيئا، وأنه من حيث هو امتداد للتراث و “تكريس” لجانب منه، لا يقل أصالة عما يقولونه هم، وأنهم لا يملكون من الحقيقة أكثر مما يمتلكه أولئك الشباب المغرر بهم؟
هل من الضروري أن نُنبه إلى أن الفكر “المعتدل” الذي يدعو إليه هؤلاء “الدارسون” ويحثون عليه ليس في واقعه إلا ترجمة لحياتهم، هم، وتعبيرا عنها، وأن الفكر “المتطرف” كما يسمونه، يعكس حياة الُمفقرين الجياع المدعوس على كرامتهم وكبريائهم؟
وهل من الضروري، أيضا، أن نُذكر بأن هؤلاء “المعتدلين” جدا، الذين ينعمون بشروط الحياة الفارهة، حينما يدعون غيرهم إلى حب الحياة والتعلق بها، فإنهم يفعلون ذلك لأنهم فعلا يحبونها، وهم يحبونها لأنهم يتمتعون بها، ولأنهم توفرت لهم شروط التمتع بها، والحرص عليها، في حين أن اولئك الجياع يتبنون فكرا يلائمهم ويناسبهم، أي يُبغض إليهم الحياة، ويزهدهم فيها، لأنهم لا يملكون منها شيئا وليس لهم فيها ما يحبونها لأجله، ويتعلقون بها بسببه.
وهل من اللازم ان نذكر بأن هؤلاء “المفكرين الكبار” و” الباحثين الجادين” الحريصين على قيم “التسامح” والتعايش و “الاعتدال” و “تقديس” حياة الانسان من حيث هو إنسان، لو سلبت منهم امتيازاتهم وردوا إلى ما كانوا عليه قبل أن تضحك لهم الدنيا ـ كما يقال ـ وقبل أن يظفروا منها بما ظفروا به، ما ذا سيكون شأنهم؟ وكيف سيكون حالهم؟
إن كل ما يقوله هؤلاء، وكل ما سيقوله غيرهم، لا يساوي شيئا، ولا يعني شيئا، لأنه ليس فيه ذرة من الإنصاف، وليس فيه مثقال من الحق. إنها اوراق يكتبها أصحابها بأسلوب واحد، وبلغة واحدة وبمفاهيم واحدة، وتجمع جلها على إدانة “فكر” لا يجد من يدافع عنه، في وسطهم، وبالتالي، إدانة شريحة عريضة يتحمل النظام المسؤولية كاملة فيما انتهت إليه، وفيما تعانيه وتكابده، ويتحملها وحده.
إنهم يجمعون على اعتبار “التطرف” ثقافة تغزو الطبقة الفقيرة والجاهلة والمهمشة والمعوزة، وفتكون هذه الطبقة مدانة أصالة لا لشيء، سوى لأنها فقيرة ومحرومة من خيرات وثروات وطنها، ولأنها تحت رحمة نظام بئيس وغشوم ظلوم، ثم لا يذهبون إلى أبعد من ذلك قليلا، اي إلى حد إدانة من دفع هؤلاء الفقراء الجياع إلى الزهد في الحياة وكرهها، وإدانة من كان السبب في وضع هذه الطبقة في كماشة هذه الآفة وبين مخالبها.
ان التطرف الذي يحاربه هؤلاء وبالصورة التي يعضونه بها، ما هو إلا حيلة لمحاربة الفقراء الساخطين على من يسرق خبزهم، ومن يتحالف معه، ومن يلعب دور “سحرة فرعون” بالنسبة إليه.
ينبغي أن نكون واضحين، وجريئين إلى حد القول أنه اذا كانت الدولة جادة في مواجهة “التطرف” فإن الحل لا يكون بعقد تلك المؤتمرات و دعوة هؤلاء “الباحثين” و “المفكرين” لعرض أوراق كتبوها فوق مكاتبهم المكيفة، و إنما يكون بنشر العدل و تحقيق “العدالة الاجتماعية” فقد رووا أن احد عمال عمر أو ولاته كتب إليه يشتكي انتشار الاجرام في منطقة نفوذه، فرد عليه الفاروق[ض] داعيا إياه إلى تحصنها بالعدل. وهو وحده كاف للقضاء على كل ظواهر الأمراض الاجتماعية الفتاكة، ورووا أيضا أن عهد عمر بن عبد العزيز عرف استتبابا للأمن، حتى أن الخوارج سكنوا وأوقفوا حملاتهم حياء منه [ض] و ـ السبب كما قالو ـ أنه أقام العدل وبسطه وسار في الناس بمقتضاه.
الخلاصة هنا واضحة وملخصها أن الطريق الأقرب للتخلص من “التطرف” وسائر الآفات والامراض الاجتماعية هو أن يتوقف المسؤولون عن سرقة أقوات الناس وخبزهم وأن يشعروا هؤلاء “المتطرفين” المفترضين أنهم مواطنون حقيقيون وشركاء في هذا الوطن وأن الحق الذي لفلان أو علان من الاسر المتنفذة لا يزيد عن حق أي منهم. إن تكريس التفاوت الطبقي المخيف بين أفراد المجتمع وتوسيع الهوة بين الطبقات سيظل عاملا كافيا لمد “التطرف” ـ باعتباره حقدا على المرتبطين بالدولة المستغلين لهاـ بأسباب البقاء والتوسع.
وبغير هذا، اي بغير العدل و “المواطنة الحقيقية” فإن كل ما تقوم به الدولة، وكل ما يقوم هؤلاء المتعاونون معها، سينتهي إلى لا شيء.
