المغرب: المحكمة الدستورية أمام امتحان تاريخي بين حماية حرية الصحافة وهيمنة الأغلبية المصطنعة

يعيش المغرب على وقع توتر سياسي ودستوري متصاعد، عقب إقدام مكونات من المعارضة البرلمانية على إحالة مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، في خطوة اعتبرها متابعون تحركاً دفاعياً عن حرية التعبير واستقلال الصحافة، في مواجهة ما يُنظر إليه كتراجع تشريعي مقلق.

هذه الإحالة لم تأت من فراغ، بل جاءت في سياق عام بات اليوم واضحاً للرأي العام الوطني، حيث أصبح بإمكانه فهم حقيقة هذه “الأغلبية العددية” التي تم تصنيعها وترتيبها بعناية، لتمرير قوانين وُصفت بأنها مشوهة في جوهرها، جرى إعدادها وفق آليات منهجية ملفقة سلفاً، بعيدة عن روح الدستور ومقاصده.

الآن يمكن للرأي العام الوطني أن يفهم حقيقة هذه الأغلبية العددية، والكيفية التي تم بمقتضاها صناعتها، وترتيب كل الانزياحات التي شوهت صورة القوانين التي تم تمريرها وفق آليات منهجية ملفقة سلفاً. أغلبية مصطنعة ومخدومة، جيء بها لتؤدي هذا الدور في الردة المطلقة على قضايا تتعلق بالقضاء والعدالة وحقوق الإنسان والقانون الجنائي، وحماية الفاسدين، وعدم تجريم الإثراء غير المشروع، وحماية التنافي وتعارض المصالح، ومسطرة تنظيم مهنة العدول. واليوم، يأتي القانون الجديد ليضرب مهنة الصحافة، ويستهدف القضاء النهائي على حرية التعبير والصحافة المستقلة، ويرهن الإعلام بيد مافيات وعصابات تتغذى على الريع والفساد، وتحارب الشرف وقيمة الإنسان وحريته أينما وُجدت.

ودون الخوض في تفاصيل كل التراجعات، فإن هذا المسار شمل مختلف مناحي الحياة، وضرب في الصميم القدرة الشرائية للمواطنين، وحرَم فئات عريضة من الشعب المغربي من شروط العيش الكريم. هذا هو السياق العام الذي تم فيه تمرير تلك القوانين، وارتكاب ما تصفه المعارضة والفعاليات الحقوقية بجرائم دستورية في حق هذا الوطن.

وفي هذا الإطار، تبدو المحكمة الدستورية اليوم أمام امتحان حقيقي وتاريخي، يضعها في مواجهة مباشرة مع انتظارات الرأي العام. فهل ستنتصر لإرادة الشعب والوطن، وللمؤسسات الدستورية التي عبّرت بوضوح عن اعتراضها، أم ستتجاوب مع خيارات تشريعية تسيء إلى صورة المغرب، وتضرب مصداقيته، وتفرغ كل الشعارات المتعلقة بالمواطنة والكرامة والحرية ومحاربة الفساد من مضمونها؟

أسئلة كبرى تُطرح بقوة في لحظة مفصلية، ستحدد ليس فقط مستقبل مهنة الصحافة في المغرب، بل أيضاً مصداقية المسار الديمقراطي برمّته، ودور المؤسسات الدستورية في حماية الحقوق والحريات.