المغرب بين سياقة الحكومة ومحطة المحاسبة: قراءة في استعارة بوانو ورسائل اللحظة السياسية

في السياسة، كما في الطريق، لا تكفي السرعة ولا جودة المركبة، بل تُحسب النهاية، وتُقاس القيادة عند الوصول إلى محطات المحاسبة. بهذا المعنى، تكتسب استعارة الدكتور عبد الله بوانو، التي شبّه فيها رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش بسائق غادر الطريق السيار قبل محطة الأداء، دلالة تتجاوز السجال الحزبي لتلامس جوهر النقاش السياسي الراهن في المغرب: المسؤولية، والمحاسبة، وتوقيت الانسحاب.

تشبيه أخنوش بسائق استعمل الطريق السيار للسلطة طيلة خمس سنوات، ثم اختار الخروج قبل محطة الأداء، ليس مجرد صورة بلاغية، بل توصيف سياسي مكثف لمرحلة كاملة من تدبير الشأن العام. فالحكومة التي قادها أخنوش جاءت في سياق استثنائي، تميز بتداعيات جائحة عالمية، وأزمات اقتصادية متلاحقة، وارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة، وهي اختبارات حقيقية لأي قيادة سياسية. غير أن السؤال الذي يطرحه بوانو، ومن خلفه جزء من الرأي العام، لا يتعلق فقط بالأداء، بل بالاستعداد لتحمل كلفته السياسية.

في الأنظمة الديمقراطية، تشكل صناديق الاقتراع محطة الأداء بامتياز، حيث يُحاسَب المسؤولون على اختياراتهم، وتُقاس السياسات بنتائجها لا بنواياها. ومن هذا المنطلق، يُفهم نقد بوانو كتحذير من محاولة تفادي هذه المحطة، أو إعادة ترتيب المشهد السياسي بطريقة تقلل من حدة المحاسبة الشعبية. فالمغادرة قبل الانتخابات، أو إعادة التموضع السياسي، قد تُقرأ باعتبارها مناورة ذكية، لكنها في الوقت نفسه تطرح إشكالية أخلاقية حول العلاقة بين السلطة والمسؤولية.

اللافت في هذه الاستعارة أنها لامست وعياً جماعياً متنامياً في المغرب، حيث لم يعد الخطاب السياسي التقليدي كافياً لإقناع المواطنين، وأصبح الأداء المعيشي والاقتصادي معياراً أساسياً للحكم على الحكومات. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة الاجتماعية، كلها عوامل جعلت جزءاً من المغاربة يشعرون بأن “ثمن الرحلة” كان مرتفعاً، وأن الطريق لم يكن دائماً في صالحهم.

وفي السياق الدولي، حيث يُقدَّم المغرب كنموذج للاستقرار والإصلاح التدريجي، تكتسي هذه النقاشات أهمية خاصة. فصورة المغرب لا تُبنى فقط عبر المؤشرات الماكرو-اقتصادية أو المشاريع الكبرى، بل أيضاً عبر جودة النقاش العمومي، وجرأة الفاعلين السياسيين في نقد السلطة ومساءلتها. ومن هنا، فإن تصريحات بوانو، مهما اختلفت حولها التقييمات، تعكس حيوية سياسية لا يمكن فصلها عن مسار التحديث الديمقراطي.

في النهاية، تبقى السياسة سياقة جماعية، لا ينجح فيها السائق وحده ولا يتحمل الفشل بمفرده، لكن لحظة المحاسبة تظل ضرورية لترميم الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمغرب، وهو يقترب من استحقاقات جديدة، لا يحتاج فقط إلى طرق سريعة، بل إلى وضوح في الاتجاه، وشجاعة في الوقوف عند محطات الأداء، مهما كان ثمنها السياسي.

وتبدأ المحاسبة بتفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن الدولة التي يحكمها القانون مطالَبة، من باب أولى، بتطبيق فصوله على المسؤول الحكومي الأول، باعتباره مسؤولاً عن أفعاله وتصرفاته التي يؤطرها ميثاق العمل الدستوري والقانوني. فلا يمكن لرئيس الحكومة أن يقفز من سفينة الحكم وهو يتحمل مسؤولية ما يعتبره خصومه فشلاً حكومياً، دون أن تمر المرحلة عبر آليات مساءلة واضحة وشفافة. ويترقب جزء من الرأي العام توضيحات دقيقة بشأن ما أثير حول تضارب المصالح، وملفات الدعم العمومي بمختلف أشكاله، وكل ما يُشتبه في ارتباطه بهدر مالي أو اختلالات تدبيرية. كما تتعالى الدعوات إلى تفعيل أدوار لجان التقصي في الملفات المرتبطة بالأضاحي والأدوية والسياسات الفلاحية، وإلى تقييم موضوعي لأداء قطاعي التعليم والصحة في ظل تدهور الأوضاع الاجتماعية. فبالنسبة لكثيرين، لا يجوز استغباء المغاربة أو اعتماد سياسة “قلب شقلب” وكأن شيئاً لم يكن، لأن تجاهل هذه المطالب قد يدفع إلى احتقان اجتماعي جديد، بينما يبقى السبيل الأسلم هو الاحتكام الصارم للقانون وتطبيق مقتضياته على كل من يثبت في حقه تقصير أو مخالفة، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة باعتباره المسؤول الأول عن التوجه العام للسياسات العمومية.