المغرب: حين يصبح النجاح الكروي مصدر إزعاج للبعض

في المغرب، يبدو أن النجاح لا يُكافَأ دائمًا، بل يتحول أحيانًا إلى عبء ثقيل على أصحابه. فكلما حققت كرة القدم الوطنية إنجازًا، خرجت أصوات تبحث عبثًا عن ثغرات، لا من أجل الإصلاح، بل من أجل الهدم، أو على الأقل التشويش. نقد بلا بوصلة، وجدال بلا أفق، وكأن الاستقرار صار تهمة.

ما يحدث اليوم في محيط المنتخب الوطني المغربي يطرح أكثر من علامة استفهام. كيف يمكن لمنظومة كروية تحقق نتائج تاريخية، وتفرض اسم المغرب بقوة قارّيًا ودوليًا، أن تتحول فجأة إلى مادة يومية للانتقاد غير المبرر؟ هل المشكلة في النتائج؟ لا. هل في الأداء؟ نسبيًا لا. إذن فيمَ الخلل؟ أم أن الخلل في من لم يهضم بعد فكرة أن المغرب تغيّر؟

وليد الركراكي ليس مدربًا عاديًا. هو أنجح مدرب في تاريخ المنتخب الوطني بالأرقام والوقائع، لا بالشعارات. ومع ذلك، لم يسلم من محاولات التقليل والتشكيك، وكأن المطلوب منه أن يفوز دائمًا، وبطريقة مثالية، وإلا فالهجوم صار جاهزًا على أي زلة. هذا منطق لا علاقة له بكرة القدم، بل بثقافة جلد الذات.

وما إن فشل البعض في إسقاط المدرب، حتى انتقلوا إلى استهداف الجمهور. نعم، الجمهور. ذلك الجمهور الذي ملأ الملاعب، وساند المنتخب دون انقطاع، واحترم الخصم، وقدم صورة حضارية يشهد لها القاصي والداني. فجأة أصبح “باردًا”، “غير متحمس”، “بلا أنيماتيون”. وكأن تشجيع المنتخب الوطني يجب أن يخضع لدفتر تحملات خاص، أو أن يُقاس بعدد الطبول والشهب الدخانية.

هذا خلط متعمد أو جهل فاضح بالفارق بين جمهور الأندية وجمهور المنتخبات. المنتخب الوطني المغربي ليس ملكًا لفئة عمرية معينة، ولا لثقافة تشجيع محددة. هو ملك لكل المغاربة: العائلات، الأطفال، النساء، كبار السن، الجالية، وكل من يرى في القميص الوطني رمزًا للوطن لا ساحة للاستعراض.

مباراة زامبيا كانت الرد العملي على كل هذا العبث. تشجيع متواصل، تفاعل صادق، دعم حضاري من الدقيقة الأولى إلى الأخيرة. جمهور أدى دوره كاملاً دون فوضى، ودون إساءة، ودون تصنع. لكن يبدو أن هذا النوع من الدعم لا يعجب من اعتادوا الفوضى أكثر من الانتصار.

كرة القدم الحديثة تغيّرت، والمغرب اختار بوضوح أن يكون في صف الدول التي تقدم نموذجًا متقدمًا: ملاعب عالمية، تنظيم محكم، جمهور محترم، وصورة مشرّفة. من يريد العودة إلى منطق الفوضى باسم “الفرجة” لا يدافع عن كرة القدم، بل عن ماضيها المتجاوز.

ولعل أكثر ما يفضح زيف هذه الانتقادات هو الحضور الدولي الوازن في الملاعب المغربية. مدربون عالميون، نجوم أساطير، مسؤولون كبار، يأتون لمتابعة المنتخب الوطني عن قرب. هؤلاء لا يحضرون صدفة، ولا يُغريهم “الفراغ”. هم يرون ما لا يريد البعض الاعتراف به: أن المغرب صار نموذجًا كرويًا يُحتذى.

المطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه، ولا تقديس الأشخاص، بل التحلي بالحد الأدنى من المسؤولية. فالنقد البناء مرحب به، أما النقد من أجل لفت الانتباه، أو تصفية الحسابات، أو ركوب موجة الجدل، فهو خطر حقيقي على مكتسبات تحققت بسنوات من العمل.

المغرب الكروي يسير في الاتجاه الصحيح. ومن لا يعجبه ذلك، فمشكلته ليست مع المنتخب، ولا مع الجمهور، ولا مع المدرب… بل مع فكرة النجاح نفسها.