المغرب يعزز موقعه في التجارة البحرية الدولية.. ولي العهد الأمير مولاي الحسن يشرف على إطلاق عمليات ميناء الناظور غرب المتوسط باستثمارات تناهز 54 مليار درهم

الوطن24/ الناظور
في محطة جديدة ضمن مسار تطوير البنيات التحتية الاستراتيجية بالمملكة، أشرف صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم السبت 31 أكتوبر 2026، بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، على إطلاق عمليات أول محطة للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط، بجماعة إعزانن بإقليم الناظور، إيذاناً بالدخول التدريجي لهذا المركب الصناعي والمينائي الضخم مرحلة التشغيل، بعد تعبئة استثمارات عمومية وخاصة تناهز 54 مليار درهم.
ويشكل هذا الحدث خطوة مهمة في مسار تعزيز العرض المينائي المغربي، وترسيخ موقع المملكة ضمن خارطة التجارة البحرية الدولية، من خلال بنية تحتية حديثة تستهدف استقطاب الاستثمارات العالمية، وتطوير الأنشطة الصناعية واللوجستية والطاقية، وفتح آفاق اقتصادية جديدة أمام جهة الشرق والمغرب عموماً.
وتندرج هذه المنشأة ضمن الرؤية الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والرامية إلى تحديث البنيات التحتية الكبرى، وتحويل الموقع الجغرافي للمغرب إلى رافعة للتنافسية الاقتصادية، وجسر يربط بين الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية.
المحطة الشرقية.. أولى خطوات التشغيل
وقد أعطى ولي العهد الأمير مولاي الحسن انطلاقة أول عملية تفريغ لحاوية من سفينة تجارية بالمحطة الشرقية، التي تشكل المرحلة الافتتاحية لتشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط.
وتتوفر هذه المحطة على رصيف يمتد على طول 1520 متراً، وعمق مائي يصل إلى 18 متراً، ومساحة أرضية تبلغ 70 هكتاراً، بطاقة استيعابية مرتقبة تصل إلى 3.5 ملايين حاوية في أفق سنة 2030.
وقد بلغت الاستثمارات المخصصة لهذه المحطة نحو خمسة مليارات درهم، وأسند امتياز استغلالها إلى تحالف يجمع شركة مرسى المغرب وشركة Terminal Investment Limited التابعة لمجموعة MSC، إحدى أكبر المجموعات العالمية في مجال النقل البحري للحاويات، بموجب عقد يمتد على مدى 25 سنة، يشمل الاستغلال والصيانة.
5.3 ملايين حاوية.. طموح مغربي لتعزيز التنافسية الدولية
ولا تتوقف طموحات المشروع عند المحطة الشرقية، إذ يتضمن المركب محطة ثانية للحاويات، هي المحطة الغربية، بطاقة استيعابية تبلغ 1.8 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدماً.
وتضم هذه المحطة أرصفة بطول 900 متر ومساحة أرضية تبلغ 38 هكتاراً، باستثمارات تقدر بثلاثة مليارات درهم، وأسند استغلالها إلى تحالف يجمع مرسى المغرب ومجموعة CMA CGM، ثالث أكبر شركة للنقل البحري للحاويات في العالم، على أن يبدأ تشغيلها المرتقب في أبريل 2027.
ومن شأن دخول المحطتين مرحلة التشغيل الكامل أن يرفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للميناء إلى 5.3 ملايين حاوية، بما يعزز قدرات المغرب على استقبال حركة تجارية بحرية أكبر، ويوفر إمكانات إضافية لاستقطاب الخطوط الملاحية الدولية.
قطب طاقي ومنظومة متكاملة للبضائع
ويتميز ميناء الناظور غرب المتوسط بتعدد مكوناته ووظائفه، حيث سيضم محطة للبضائع المختلفة على مساحة 22 هكتاراً، بطاقة استيعابية تصل إلى ثلاثة ملايين طن، يرتقب تشغيلها في دجنبر 2028.
كما يتوفر على محطة للبضائع الصلبة بطاقة سبعة ملايين طن، من المنتظر أن تدخل مرحلة الاستغلال في يونيو 2027، إلى جانب محطة لخدمات الشحن بالدحرجة بطاقة 400 ألف وحدة، ورصيف يمتد على طول 380 متراً، تم تسليمه في شتنبر 2026.
وعلى المستوى الطاقي، يتضمن المشروع محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة استيعابية تبلغ خمسة مليارات متر مكعب، فضلاً عن محطة للمحروقات بطاقة تصل إلى 25 مليون طن، تتوفر على ثلاثة أرصفة، ويرتقب الشروع في تشغيلها ابتداءً من أبريل 2027.
وتعكس هذه المكونات طبيعة المشروع الذي لا يقتصر على استقبال السفن وتداول الحاويات، بل يستهدف إنشاء قطب مينائي وصناعي وطاقي متكامل، قادر على تقديم خدمات متنوعة للفاعلين الاقتصاديين والمجموعات الدولية.
رهان التشغيل والاستثمار في جهة الشرق
اقتصادياً واجتماعياً، ينتظر أن يساهم المركب الصناعي والمينائي في إحداث نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب شغل غير مباشر على المدى القريب، مع توفير فرص جديدة للشباب والكفاءات المحلية.
كما سيحتضن منصة صناعية ولوجستية تمتد على مساحة 700 هكتار، باستثمارات خاصة تناهز 12 مليار درهم، وهو ما من شأنه تشجيع استقرار وحدات إنتاجية وصناعية جديدة، وتعزيز الأنشطة المرتبطة بالتصدير والخدمات والنقل والتخزين.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مواكبة المشروع ببرامج للتكوين والتأهيل المهني تستجيب لحاجيات المستثمرين والأنشطة الاقتصادية المرتقبة، حتى لا تظل فرص الشغل مجرد أرقام معلنة، بل تتحول إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية ملموسة لفائدة شباب المنطقة.
ربط سككي وطرقي لتعزيز الجاذبية الاقتصادية
ولضمان اندماج الميناء في محيطه الوطني والجهوي، يتضمن المشروع إنجاز بنيات تحتية مهمة للربط والنقل، أبرزها خط سككي يمتد على طول 49 كيلومتراً لربط سلوان بميناء الناظور غرب المتوسط، فضلاً عن طريق سيار بطول 105 كيلومترات انطلاقاً من مدينة جرسيف.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنسبة لجهة الشرق، بالنظر إلى دورها المنتظر في تسهيل نقل البضائع والمنتجات الصناعية، وتحسين الربط مع باقي جهات المملكة، وتقليص تكاليف النقل واللوجستيك، وتعزيز جاذبية المنطقة أمام المستثمرين.
الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط والداخلة الأطلسي.. رؤية مينائية متكاملة
ويأتي إطلاق عمليات ميناء الناظور غرب المتوسط لتعزيز الدينامية التي أطلقها ميناء طنجة المتوسط، في إطار توجه مغربي يقوم على تنويع البنيات التحتية المينائية وتكامل أدوارها، بما يمنح المملكة حضوراً أوسع في شبكات التجارة والنقل البحري العالمية.
كما يندرج المشروع ضمن الطموح المغربي لتطوير الواجهة الأطلسية، من خلال مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يستهدف تعزيز ارتباط المغرب بعمقه الإفريقي، وتوفير منافذ بحرية جديدة أمام بلدان الساحل نحو الأسواق الدولية.
وتراهن المملكة، من خلال هذه المشاريع الكبرى، على الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي عند ملتقى الطرق البحرية الدولية، وتحويل بنياتها التحتية إلى أدوات لدعم الاستثمار والإنتاج والتبادل التجاري.
مشروع استراتيجي وتحدي تحويل الاستثمارات إلى تنمية ملموسة
إن إطلاق المرحلة الأولى من ميناء الناظور غرب المتوسط يمثل أكثر من مجرد دخول محطة جديدة للحاويات إلى الخدمة؛ فهو إعلان عن مرحلة جديدة في تطوير الاقتصاد المينائي والصناعي المغربي، وتوسيع قدرات المملكة على المنافسة في قطاع تتزايد فيه أهمية سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية.
لكن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة هذا المشروع على تحقيق أثر مباشر في حياة المواطنين، من خلال خلق فرص شغل مستقرة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتطوير التكوين المهني، وإشراك المقاولات المحلية في الدينامية الاقتصادية الجديدة.
وبين حجم الاستثمارات المرصودة والطموحات الاقتصادية المعلنة، يفتح ميناء الناظور غرب المتوسط آفاقاً جديدة أمام جهة الشرق والمغرب، ويعزز توجه المملكة نحو ترسيخ مكانتها كمنصة بحرية ولوجستية وصناعية ذات امتداد دولي، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف جعل البنية التحتية رافعة للتنمية المستدامة والتنافسية الاقتصادية.
