المنصوري تفجّر مواجهة مع «البيجيدي» تحت قبة البرلمان: «خطاب المظلومية لم يعد ينفع».. والتخوين يشعل السجال السياسي

في مواجهة سياسية ساخنة داخل مجلس النواب، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، الرد بلهجة حادة على حزب العدالة والتنمية، واضعةً ما وصفته بخطاب «المظلومية» و«التخوين» في قلب المواجهة مع قيادة الحزب، في سجال كشف عن عمق الخلاف بين الأغلبية الحكومية و«البيجيدي» في مستهل الولاية الحكومية الجديدة.

وخلال الجلسة العمومية المنعقدة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، والمخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، وجّهت المنصوري كلامها إلى إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، معتبرة أن الخطاب الذي ساهم في وصول الحزب إلى رئاسة الحكومة سنة 2011 لم يعد صالحاً في السياق السياسي الحالي.

وقالت المنصوري، في عبارة لافتة: «نجحتم به في 2011 وثاقو فيه المغاربة، الوقت تغير»، في رسالة سياسية مباشرة إلى حزب قاد الحكومة لولايتين متتاليتين، قبل أن يجد نفسه اليوم في موقع المعارضة.

لكن ما جرى تحت قبة البرلمان لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل مواجهة بشأن طبيعة الخطاب السياسي وحدود الاتهامات المتبادلة، في وقت ينتظر فيه المغاربة من الأحزاب تقديم أجوبة ملموسة عن قضاياهم اليومية، بعيداً عن صراعات المواقع والحسابات الحزبية.

لم تتوقف رئيسة الحكومة عند انتقاد خطاب المظلومية، بل انتقلت إلى اتهام قيادات من حزب العدالة والتنمية بتوجيه اتهامات إلى مسؤولين من حزب الأصالة والمعاصرة، وربطهم بخدمة «أجندات صهيونية»، مؤكدة أنها لن تلتزم الصمت إزاء ما اعتبرته استهدافاً لحزبها وقياداته.

وذهبت المنصوري إلى التشديد على أن مثل هذه الاتهامات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد اختلاف عابر في المواقف، خصوصاً عندما تمس النوايا والولاءات الوطنية لفاعلين سياسيين.

وفي المقابل، يظل من حق المعارضة أن تمارس النقد والمساءلة، وأن تطرح الأسئلة الصعبة بشأن أداء الحكومة وقراراتها، لكن قوة هذا الدور ترتبط بوضوح الحجج ودقة المعطيات، لا بمجرد تبادل الاتهامات أو التشكيك في الخصوم.

ومن هنا، يبرز السؤال الذي تفرضه هذه المواجهة: هل تستطيع الأحزاب المغربية الانتقال من منطق الاتهام المتبادل إلى منافسة سياسية تقوم على البرامج والحصيلة والشفافية، أم أن لغة التخوين ستظل حاضرة كلما احتدم الصراع على السلطة؟

استحضار سنة 2011 لم يكن تفصيلاً عابراً في خطاب المنصوري؛ فقد أعادت رئيسة الحكومة النقاش إلى مرحلة سياسية مفصلية صعد خلالها حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة، مستفيداً من سياق وطني وإقليمي خاص ومن الثقة التي حظي بها لدى شريحة واسعة من الناخبين.

واليوم، تجد قيادة الحزب نفسها أمام مشهد مختلف، بعدما انتقلت من تدبير الشأن الحكومي إلى موقع المعارضة، حيث تحاول مساءلة الحكومة الجديدة بشأن برنامجها واختياراتها ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

غير أن القول إن خطاب المظلومية فقد تأثيره لا يحسم وحده النقاش السياسي؛ فالمعيار الحقيقي لوزن أي حزب يظل مرتبطاً بقدرته على إقناع المواطنين، وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ، وممارسة المعارضة بمصداقية، مثلما تُقاس الحكومة بقراراتها ونتائجها.

وبالمثل، فإن انتقاد المنصوري لحزب العدالة والتنمية يضع الأغلبية نفسها أمام اختبار سياسي واضح: هل ستنجح في تحويل خطابها إلى إنجازات ملموسة، أم ستظل المواجهات الكلامية تتصدر المشهد على حساب تقييم البرنامج الحكومي؟

ورغم حدة ردها، أكدت المنصوري استعدادها للحوار مع مختلف الأحزاب، بما فيها حزب العدالة والتنمية، مشددة على أن التنافس الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة سياسية.

وقالت في هذا السياق: «لسنا أعداء»، في إشارة إلى أن الخلاف بين الأحزاب ينبغي أن يظل محكوماً بقواعد المنافسة الديمقراطية، لا أن يتحول إلى خصومة دائمة تمنع الحوار حول القضايا الوطنية.

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من التناقض الظاهري بين حرارة المواجهة داخل البرلمان والدعوة إلى الحوار خارجه. غير أن هذا التناقض لا يُحسم بالشعارات، بل بمدى استعداد مختلف الأطراف لاحترام قواعد الاختلاف، والاستماع إلى الانتقادات، وتقديم أجوبة واضحة عن الملفات المطروحة.

فالحوار السياسي لا يعني التنازل عن المواقف، كما أن المعارضة لا تعني العداء، والأغلبية لا تُعفى من المساءلة لمجرد امتلاكها الأغلبية العددية.

إن المواجهة بين المنصوري والأزمي تعكس جانباً من طبيعة المرحلة السياسية الجديدة، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع رهانات بناء الثقة في المؤسسات وتقييم أداء الحكومة.

لكن المغاربة لا ينتظرون من هذا السجال معرفة الطرف الأكثر قدرة على رفع صوته، بقدر ما ينتظرون معرفة من سيقدم حلولاً أكثر نجاعة لمشكلات التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة ومحاربة الفساد.

وإذا كانت رئيسة الحكومة تدعو إلى تجاوز خطاب المظلومية والتخوين، فإن ترجمة هذا الموقف إلى ممارسة سياسية تقتضي أيضاً فتح المجال أمام النقد الجاد، والتعامل مع أسئلة المعارضة بالحجج والوقائع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي المقابل، يظل مطلوباً من حزب العدالة والتنمية، شأنه شأن باقي مكونات المعارضة، أن يجعل من مساءلة الحكومة مدخلاً لتقديم البدائل، وأن يميز بين النقد السياسي المشروع والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة واضحة.

الخلاصة: رفعت فاطمة الزهراء المنصوري سقف المواجهة مع «البيجيدي»، وأعلنت أن خطاب المظلومية الذي رافق صعوده سنة 2011 لم يعد مقنعاً في نظرها. لكن الحكم النهائي لن تصنعه حدة التصريحات داخل البرلمان، بل ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من أداء حكومي، وفعالية معارضة، وقدرة الطرفين على إقناع المغاربة بأن السياسة وسيلة لخدمة المواطنين، وليست مجرد معركة مفتوحة لتبادل الاتهامات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *