انتخابات 2021: سؤال القاسم الانتخابي أم فعالية الفاعل السياسي

الوطن 24/ بقلم: محمد أهيري

كثر الحديث عن القاسم الانتخابي وعن نتائجه المستقبلية وما سيُحدثه من تغيير بالنسبة لبعض الاحزاب ونخبها، وتغافلت الاحزاب السياسية عن مسألة مهمة في هذه الانتخابات وهي تقييم منجزاتها وتقديم حصيلتها السياسية والحزبية سواء كأغلبية أو معارضة، وقياس مدى تنفيذها للبرامج والوعود الانتخابية خلال الاستحقاقات الأخيرة، فالأجدى ان يرتكز النقاش حول الاسباب الرئيسية في التراجعات والنواقص التي طالت البرامج والسياسات العمومية، ومؤشرات التنمية بكل ابعادها الاجتماعية والاقتصادية … وايضا مُساءلة واقع التدبير العمومي بالمغرب سواء في بعده المركزي أو الترابي، اذ بدون هذه العناصر لا يمكن الحديث عن فعالية ونجاعة ومردودية الأداء السياسي .

وباعتبار القاسم الانتخابي آلية انتخابية لإفراز النخب السياسية الموكول لها مهمة التسيير والتدبير، فهي أيضا آلية لتمكين الأحزاب السياسية من ممارسة السلطة لمدة محددة، وبالتالي فهي تُنتج نخبا تقود وتدبر، بل ترسم وتخطط مستقبل المغرب. وإذا نظرنا إلى مستويات التدبير الترابي لمعظم جهات المملكة، فلا زالت هذه الجهات تتخبط في أزمات اقتصادية واجتماعية، والتي يعود اغلبها الى أزمة النخب الترابية العاجزة عن بلورة رؤية ونموذج قادر على العبور بالمغرب الى بر الآمان.

وفي إطار التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يجدر بالأحزاب السياسية ان تأخذ بعين الاعتبار اهتمامات وطموحات المواطن، وان تناقش أسباب الاخفاقات وتقديم أجوبة وبرامج لتجاوزها أو للحد من آثارها، خاصة وان الظرفية التي يعيشها المغرب والعالم ظرفية وبائية صعبة أثرت بدون شك على المستويات المالية والاقتصادية للدولة، وأيضا على الوضعية الإجتماعية لملايين من المواطنين من الفئات الهشة والفقيرة، وكل هذا في ظل غياب تام لحضور النخب المحلية والوطنية، أو برامج حزبية لتجاوز الأزمة.

إن اختيار النخب التي سيقع على عاتقها مسؤولية التدبير العمومي، يعد من الادوار الاساسية للاحزاب السياسية عبر فسح المجال أمام المرشح المناسب للانتخابات بناءا على الكفاءة والقدرة على التدبير، وليس على اسس الزبونية والموالاة الحزبية والعائلية، مرشح يسعى الى خدمة الوطن وليس المصلحة الشخصية. ومن أدوار الاحزاب السياسية ايضا هو تأطير المواطن حول معرفة حقوقه وواجباته، ومن أهم حقوقه وجود منتخب قادر على الترافع عن قضاياه ومشاكله والاستجابة لمطالبه، وصون حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية… ومن واجب الاحزاب السياسية أن تطور من آلياتها لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لحاجيات ومطالب المواطن، ومواكبة متطلبات تدبير الشأن العام.

هناك بعض الكفاءات القادرة على مسايرة الازمة، ولكنها لا تضاهي بعض النخب السياسية المتأصلة في المشهد السياسي المغربي، وهذا يعد من مساوئ الديمقراطية التي تفرز نخبا معطلة تدبيريا ولا تملك الجرأة خاصة على المستوى الترابي لأخذ زمام المبادرة. وقد تتيح آلية القاسم الانتخابي إمكانية بروز كفاءة لا تملك الفرصة امام النخب القديمة المتجذرة في السياسة الوطنية “الاعيان والوجهاء”، والتي من شانها ان تساهم في تطوير الادارة،  وتحقيق التنمية المستدامة.

وتجدر الإشارة إلى ان النقاش السياسي خاصة قبيل الاستحقاقات الانتخابية، يستدعي الحديث والتفكير في أزمة ومسار النخب التي عمرت ولازمت على مدى  حياة الأجيال من المغاربة والتي كانت سببا او ساهمت في تعميق أزماتهم ومشاكلهم، بدل التركيز على أزمة القاسم الانتخابي. وأزمة النخب وتجديدها هي ازمة تحديث النسق السياسي، وبالتالي أزمة  وجود كفاءات ونخب قادرة على الابتكار وتنزيل السياسات العمومية، وبناء النموذج التنموي المأمول.

ان ما يحتاجه المغرب ليس نقصا في الموارد والقواعد القانونية، بل يتوفر على كل المقومات الضرورية، والآليات القانونية والتدبيرية والمؤسساتية، وحتى الموارد البشرية لمسايرة ومواكبة رهانات المرحلة من سياسة وتدبير واقتصاد وقانون، بل إن ما يعوزه المغرب هو تخليق المسؤولية العمومية، ثم الارادة والالتزام السياسي بتنفيذ البرامج والوعود الانتخابية، اذ لا قيمة لنخب لا تلامس مشاكل الناس. واغلب النخب الممثلة في المجالس الترابية غالبا ما تكون غير مواكبة للشان العام وما يتطلبه، فالمشكل ليس في حضور الشباب او المرأة او النخب المُعمرة، بل المشكل الحقيقي يتمثل في القدرة على الفعل العمومي وفي طريقة التدبير وقيادة التغيير وعجلة التنمية.

ويبقى السؤال الجوهري في نظري والذي سيظل عالقا بدون اجابة، وباستثناء اظهار العمل الجاد من طرف الاحزاب ونخبها لتجنيب المغرب انهيارا ديمقراطيا وسياسيا تم تفاديه مرارا وتكرارا كان آخرها إبان الربيع العربي، ثم تجاوز الانهيار المؤسساتي كما حدث خلال فترة التقويم الهيكلي الذي رهن المغرب الى حدود الساعة، هو هل المغرب يمتلك فعلا نخبا سياسية تدبيرية تمتلك كل مقومات النجاح والمضي في طريق التحديث والدمقرطة ومواكبة نداء النموذج التنموي؟ وهذا ما سيتضح لنا من خلال الولاية السياسية والتدبيرية المقبلة، وهو ما سيبرهنه كذلك القاسم الانتخابي، هل هو ناجع كما يقول مؤيدوه ام عكس ذلك كما يقول منتقدوه.

*باحث في القانون العام والعلوم السياسية جامعة محمد الخامس الرباط.