تحولات التقاضي المدني بالمغرب في ضوء مشروع المسطرة المدنية

الوطن24: بقلم: د. الوافي التامك
يشكل مشروع قانون المسطرة المدنية بالمملكة الشريفة أحد أعمدة الإصلاح القضائي العميق الذي انخرطت فيه الدولة خلال العقد الأخير، باعتباره الإطار الإجرائي الناظم للولوج إلى العدالة المدنية، وضامنا فعليا لحقوق المتقاضين وحسن سير القضاء. ولا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن التحولات الدستورية التي أفرزها دستور 2011، ولا عن الإكراهات العملية التي كشفت عنها الممارسة القضائية، ولا عن الدينامية المقارنة التي أضحت تؤطر التشريع الإجرائي الحديث في النظم القانونية المعاصرة.
لقد جاء مشروع المسطرة المدنية الجديدة محملا برهان النجاعة القضائية دون التفريط في ضمانات المحاكمة العادلة، في محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات السرعة في البت، وحقوق الدفاع، ومبدأ الأمن القانوني، ومن أبرز ملامح هذا المشروع إعادة تنظيم القواعد المتعلقة بالتقاضي، من خلال عقلنة آجال الإجراءات، والحد من الشكليات المفرطة التي كانت تشكل، في كثير من الأحيان، عائقا بنيويا أمام الحق في التقاضي، لا سيما بالنسبة للفئات الهشة، ويعكس هذا التوجه وعيا تشريعيا بأن العدالة البطيئة لا تقل جورا عن العدالة المنعدمة.
كما أولى المشروع عناية خاصة بتعزيز دور القاضي المدني، ليس بوصفه حكما سلبيا بين أطراف النزاع، بل فاعلا إيجابيا في إدارة الخصومة، عبر توسيع سلطته في تهيئة الدعوى، وضبط وسائل الإثبات، ومحاصرة المناورات الإجرائية التي تمس بمبدأ حسن النية في التقاضي، ويقارب هذا التوجه ما استقر عليه الفقه المقارن، خاصة في التشريع الفرنسي، الذي منح لقاضي دورا محوريا في ضبط مسار الدعوى وتحقيق التوازن بين الأطراف.
وفي سياق التحول الرقمي، سعى مشروع المسطرة المدنية إلى إدماج الوسائط التكنولوجية في العمل القضائي، من خلال تقنين التبليغ الإلكتروني، واعتماد المنصات الرقمية لإيداع المقالات والمذكرات، بما يسهم في تبسيط المساطر، وتقليص الكلفة الزمنية والمادية للتقاضي، وهي خطوة تنسجم مع التجارب المقارنة، خصوصا في الأنظمة الأنجلوساكسونية وبعض التشريعات الأوروبية، التي جعلت من العدالة الرقمية رافعة أساسية لتحديث القضاء.
غير أن هذه المستجدات، على أهميتها، لا تخلو من رهانات تطبيقية حقيقية، تتعلق بمدى جاهزية البنية التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وضمان ولوج عادل للتكنولوجيا، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مصدر إقصاء جديد، كما يثير المشروع نقاشا فقهيا حول حدود تدخل القاضي في الخصومة المدنية، ومدى تأثير ذلك على مبدأ حياده، وهو نقاش صحي يعكس حيوية الإصلاح لا تعثره.
وخلاصة القول، فإن مشروع المسطرة المدنية المغربي لا يعد مجرد مراجعة تقنية لقواعد إجرائية متقادمة، بل هو تعبير عن تحول مفاهيمي في فلسفة العدالة المدنية، قوامه الانتقال من مسطرة شكلية جامدة إلى مسطرة وظيفية مرنة، تراهن على النجاعة دون التضحية بالحقوق، وتستحضر التجربة المقارنة دون استنساخ أعمى، في أفق بناء عدالة مدنية أكثر قربا من المتقاضي وأكثر انسجاما مع متطلبات الدولة القانونية الحديثة.
