تمغربيت تُعاقَب داخل الكاف: حين تُكافأ الفوضى ويُدان الانضباط المغربي

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم يعد ما جرى بعد نهائي كأس إفريقيا للأمم مجرد جدل رياضي عابر، بل تحوّل إلى فضيحة كروية مكتملة الأركان، كشفت بالملموس أن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا يُدبّر المنافسات بمنطق العدالة، بل بمنطق القوة والضغط والفوضى، وأن من يختار تمغربيت سلوكاً وأخلاقاً، يدفع الثمن كاملاً.
ما وقع فوق أرضية الملعب كان صاخباً، لكن ما وقع بعدها داخل مكاتب “الكاف” كان أخطر. فبينما راج أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، طالب بتشديد العقوبات على كل من تورط في المشاهد الفوضوية التي عرفها النهائي، اختارت “الكاف” دفن الملف، وتوزيع العقوبات في اتجاه واحد، اتجاه المنتخب المغربي فقط.
قبل أيام قليلة، خرج رئيس لجنة الحكام بالكاف ليصرّح بأن “المنشفة ليست من مستلزمات حارس المرمى”، متهماً بعض الحراس باستفزاز المنافسين وتشويش مجريات المباريات. لكن حين حان وقت التطبيق، انقلب الميزان: عُوقب اللاعب المغربي الصيباري، بينما تُرك الحراس الذين مارسوا الاستفزاز دون أي مساءلة. هكذا، ببساطة، سقط القناع.
تخيلوا منتخباً ينسحب من أرضية الملعب لمدة ربع ساعة كاملة، ثم يعود دون أي عقوبة تُذكر. تخيلوا لاعباً يواجه الحكم بعبارات تمس نزاهته، دون مساءلة. تخيلوا رئيس اتحاد كروي يتهم “الكاف” بالفساد، ويصرّح بأن فوزي لقجع “يحرك كل شيء”، دون أن يُستدعى أو يُحاسب أو حتى يُطالَب بتقديم دليل. كل هذا مرّ في صمت مريب… بينما فُتح باب العقوبات فقط في وجه المغرب.
المنتخب السنغالي وظّف أسلوب الضغط والبلطجة قبل المباراة وأثناءها وبعدها، وربح الرهان، بينما اختار المغرب طريقاً آخر: طريق تمغربيت. احترام القوانين، ضبط النفس، رفض الانسحاب، والدفاع عن حقه داخل الملعب، مع توسل اللاعبين لعودة المباراة بدلاً من إشعال الفوضى، فكانت النتيجة ضياع ضربة الجزاء وضياع الحقوق في أتون التحكيم الانتقائي.
ويجب التأكيد أن القراءة لما حصل ينبغي أن تبقى في الإطار الرياضي والقانوني فقط، بعيداً عن السجالات والمماحكات التي لا قيمة لها أمام القوانين الإفريقية. كل تحليل خارج هذا السياق يحبط قوة الترافع المغربي، ويضع حق الرد المشروع في أتون الافتراضات العدمية، ويبعد الملف عن مواجهته القانونية الحقيقية. ومع ذلك، يجب على المغرب التمسك بحقّه المشروع في الدفاع عن الظلم الذي تعرّض له، مع اعتماد الصبر كمنهجية للوصول بالملف إلى مستويات أعلى مهما كلف ذلك من جهد ووقت.
الأخطر أن الصمت خيّم بعد ذلك. الجامعة نامت، الإعلام تردّد، ولم يُفتح نقاش دولي حقيقي لفضح ما جرى، وكأن تمغربيت تحوّلت من قيمة أخلاقية إلى عبء يُدفع ثمنه غالياً في قارة لا تحترم إلا من يصرخ ويضغط.
والمفارقة القاتلة أن “الكاف” نفسها تباهت في بلاغ رسمي بتحقيق البطولة نسب مشاهدة قياسية، في اعتراف ضمني بنجاح التنظيم وقيمة الحدث، قبل أن توجه في المساء صفعة قاسية للمنتخب المغربي، البلد الذي أنقذ الكرة الإفريقية حين هرب الجميع.
المملكة المغربية احتضنت بطولات رفضتها دول أخرى، وشاركت في “شان” ضعيف لا يرقى حتى لمستوى الهواة لإنقاذه من الفشل، وسخّرت ملاعبها وبنيتها التحتية وخبرتها التنظيمية لخدمة القارة. والجزاء؟ عقوبات، تجاهل، وتلميحات كاذبة عن “التحكم”.
لقد انكشفت خرافة “تحكم المغرب في الكاف”، والواقع يقول العكس تماماً: المغرب خسر ألقاباً عديدة بسبب ضعف موقعه داخل دواليب القرار، لا بسبب قوته. خسر لأنه اختار الدولة بدل الفوضى، والمؤسسات بدل الابتزاز.
تمغربيت ليست ضعفاً، وليست سذاجة، وليست شعاراً. تمغربيت موقف. قد تُسلب الألقاب، وقد تُؤجل الأفراح، لكن ما لا يمكن مصادرته هو حقيقة واحدة:
المغرب خرج من هذه الفضيحة مرفوع الرأس، بينما خرجت “الكاف” عارية أمام العالم.
