حين يكون الدعاء بابًا إلى الله

الوطن24/ بقلم: ذ. السعيد شخمان
ما الدعاءُ إلا أن يجد القلبُ طريقَه إلى الله، حين تضيق به الطرق كلها.
فقد يملك الإنسانُ من أسباب الدنيا ما يملكه، ثم تأتيه ساعةٌ يشعر فيها أن لا شيء مما حوله يستطيع أن يبلغ موضع حاجته؛ عندها لا يبقى له إلا أن يرفع يديه إلى السماء، لا ليطلب شيئًا فحسب، ولكن ليقول في سرّه: يا رب، إنك تعلم وأنا لا أعلم، وتقدر وأنا لا أقدر، وترى ضعفي وأنا لا أرى من أمري إلا ظاهره.
وهنا تبدأ حقيقة الدعاء.
فليس الدعاءُ مجرد كلماتٍ تُقال، ولا أمنياتٍ تُلقى في فضاء الغيب، ولكنه عودةُ العبد إلى ربّه، وانكسارُ النفس بين يديه، واستحضارٌ لمعنى القرب الذي لا يشبه قرب المخلوقين؛ قال تعالى:
﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.
يا لها من آية!
لم يقل سبحانه: فقل لهم إني قريب، وإنما جاء الجواب من الله مباشرة: ﴿فإني قريب﴾؛ كأن بين العبد وربه في لحظة الدعاء بابًا لا يحتاج إلى رسولٍ من البشر، ولا إلى مسافةٍ يقطعها القلب، وإنما يحتاج إلى قلبٍ صادقٍ يقول: يا الله.
ولذلك كانت الصلاة أعظم مواطن الصلة؛ ففيها يقف العبد بين يدي مولاه، ثم كلما ازداد خضوعًا ازداد قربًا. حتى إذا بلغ غاية التواضع، ووضع جبهته على الأرض، كان في تلك اللحظة أقرب ما يكون من ربه، كما قال النبي ﷺ:
«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
وما أعجب السجود!
أن تضع أشرف ما فيك، وجهك، على التراب؛ فتكون في ذلك الموضع الذي يراه الناس نهايةَ الضعف، في الحقيقة في أرفع مقامات القرب.
هناك لا تحتاج إلى زخرف الكلام.
يكفي أن تبكي.
يكفي أن تهمس.
يكفي أن تقول: يا رب.
فكم من دعاءٍ لم يكن في حروفه شيءٌ كثير، ولكنه كان يحمل قلبًا كبيرًا يفيض حبا بالخالق عز وجل.
وكم من عبدٍ دخل سجوده مثقلًا بهمومه، ثم خرج منه وقد تغيّر شيءٌ في داخله، وإن لم يتغير شيءٌ في خارجه؛ لأن أول إجابةٍ للدعاء قد تكون أن يُصلح الله قلبَ الداعي قبل أن يُصلح له شأنه.
وللدعاء مواطنُ يصفو فيها القلب ويتهيأ فيها للرجاء؛ في السجود، وفي جوف الليل، وعند الإفطار للصائم، وفي ساعةٍ من يوم الجمعة أخبر عنها النبي ﷺ أنها ساعة إجابة، فقال:
«لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه».
فيا من أثقلته الحياة…
لا تجعل بينك وبين الله موعدًا مؤجلًا.
إذا ضاق صدرك، فادعُه.
وإذا فرحت، فادعُه.
وإذا عجزت عن فهم ما يجري لك، فادعُه.
وإذا لم تجد الكلمات، فاذهب إليه بقلبك؛ فإن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ثم لا تستعجل الإجابة.
فإن الدعاء ليس عقدًا بين العبد وربه على صورةٍ يختارها العبد، وإنما هو عبادةٌ وثقةٌ وتسليم. وقد يعطيك الله ما سألت، أو يدفع عنك به سوءًا، أو يدخر لك من الخير ما لا تراه الآن؛ والله أعلم بما يصلح لعبده.
ولعل أجمل ما في الدعاء أنه يُعلّم الإنسان ألا يكون وحيدًا، مهما أوحشته الدنيا.
فإذا انصرف الناس، بقي الله.
وإذا عجزت الأسباب، بقي الله.
وإذا أُغلقت الأبواب، بقي باب الله مفتوحًا.
ولهذا كان الدعاءُ في حقيقته أكثر من طلبٍ للحاجة؛ إنه إعلانٌ من القلب أنه لم ينسَ ربَّه، وأنه، مهما ابتعد في دروب الحياة، ما زال يعرف الطريق إلى السماء.
فإذا كان لك في يوم الجمعة دعاءٌ تخفيه عن الناس، فلا تخفه عن الله.
ارفع يديك…
وقل ما عجز لسانك عن قوله.
وابكِ إن استطعت.
واستبشر.
فربما كان الشيء الذي تظنه آخر أبوابك إلى الناس، هو أول أبوابك إلى الله.
﴿ادعوني أستجب لكم﴾.
وما أكرمها من دعوة!
أن يدعوك الله إلى أن تدعوه.
