عندما تختلط الرياضة بالسياسة… لماذا يختلف الخطاب تجاه المغرب؟

من المفترض أن تكون الصحافة الرياضية فضاءً للتحليل الموضوعي، حيث تُقاس المنتخبات بأدائها داخل الملعب، لا بجنسية منافسيها أو بالخلفيات السياسية والإيديولوجية. لكن المتابع للإعلام الرياضي العربي يلاحظ أحيانًا أن بعض الخطابات تتغير بصورة لافتة عندما يكون المنتخب المغربي طرفًا في المعادلة.

ففي مناسبات عديدة، سمعنا من يقلل من قيمة المنتخب البرازيلي عندما يحقق المغرب نتيجة إيجابية أمامه، فيقال إن “البرازيل لم تعد كما كانت”، وإنها “لم تعد ترعب أحدًا”. لكن بعد فترة قصيرة، وعندما تحقق البرازيل نتائج أمام منتخبات أخرى، يعود الخطاب نفسه ليصفها بأنها “منتخب مرعب”، وأن “اسم البرازيل وحده يكفي لإخافة أي منافس”، بل إن البعض يذهب إلى القول إن “كأس العالم بدون البرازيل لا يساوي شيئًا”.

هذا التناقض يثير سؤالًا مشروعًا: هل تتغير قيمة المنتخب البرازيلي في أيام قليلة؟ أم أن معيار التقييم يتغير حسب هوية المنافس؟

المشكلة ليست في الإشادة بالبرازيل، فهي أحد أعظم المنتخبات في تاريخ كرة القدم، ولا في انتقاد مستواها عندما يتراجع. المشكلة تبدأ عندما تصبح المعايير مزدوجة؛ فيُقلَّل من قيمة إنجاز منتخب معين، ثم تُعاد الهيبة إلى المنافس نفسه عندما يواجه طرفًا آخر.

السؤال الأكبر هو: لماذا يحدث ذلك؟

هناك من يرى أن الرياضة في منطقتنا لم تنجح بعد في التحرر من تأثير الخلافات السياسية والإعلامية بين بعض الدول. وعندما تنتقل هذه الخلافات إلى الملاعب والشاشات، يفقد التحليل الرياضي حياده، ويصبح جزءًا من الاستقطاب بدل أن يكون وسيلة لفهم اللعبة.

الصحفي الرياضي ليس مطالبًا بتشجيع أي منتخب، لكنه مطالب بالثبات في معاييره. فإذا كان المنتخب البرازيلي قد تراجع فعلًا، فيجب أن يبقى هذا التقييم ثابتًا مهما كان منافسه. وإذا كان لا يزال منتخبًا كبيرًا ومرعبًا، فمن الإنصاف الاعتراف بقيمة أي منتخب يحقق نتيجة إيجابية أمامه، سواء كان المغرب أو غيره.

إن الجمهور اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، ويستطيع بسهولة مقارنة التصريحات واكتشاف التناقضات. ولذلك فإن مصداقية الصحفي لا تُبنى على قوة صوته أو شهرته، بل على اتساق مواقفه وموضوعية تحليله.

في النهاية، تبقى كرة القدم لعبة تجمع الشعوب أكثر مما تفرقها. أما عندما تتحول الميكروفونات إلى امتداد للخلافات السياسية أو الحسابات الإقليمية، فإن الخاسر الحقيقي ليس منتخبًا بعينه، بل مصداقية الإعلام الرياضي نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *