(فسحة الصيف) حين لعب فريق سوكيل ضد فريق الرومان (الحلقة الأخيرة (4))

أطفال وتاريخ ومنهاج تعليمي

الوطن 24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري

… وفي الغد كان الخبر الوحيد الذي تتناقله ألسن الأطفال بالمدرسة هو الخبر السعيد بانتصار سوكيل على الرومان بحصة ثلاثة أهداف لصفر. وكم كان الطفل مزهوا ويمشي بكبرياء وهو يحكي لأصدقاء الفصل عن قمصان الرومان وخفة حركاتهم ورشاقتهم الفنية، ويصور لهم الدحرجة الاستعراضية للحارس العملاق بورَّا.

ومثلما تسافر زقزقة العصافير بين خمائل الأشجار وبتلات الأزهار في فصل الربيع، وصلَتْ وشوشاتُ الأطفال الكروية إلى أذن معلمهم البدين الذي استقبلها بقهقهات ساخرة عالية، وصاح فيهم متهكما:

– “أيها الأغبياء ! كيف لعب فريق سوكيل مع فريق الرومان الذين اندثروا منذ عدة قرون؟

وصدرت من صدره المنتفخ كثور الحرث فرقعة ضحك أخرى شبيهة بصوت طنجرة تغلي، ثم أضاف:

– أيها البلهاء، يا أكياس الدقيق، ذاك كان فريق الرُّمَّاني !

عَلَت الدهشة وجوهَ الأطفال، وفغرت أفواههم غير مستوعبين ما قاله، فكأنما صبَّ على رؤوسهم الماء البارد.

فقال بنفس النبرة الساخرة مبددا دهشتهم وواضعا سبَّابته في فتحة أنفه:

– أيها الطبول ! الرمّاني مدينة مغربية صغيرة بمنطقتنا الغربية قرب مدينة تيداس وازحليكة! فما دَخْلُ نصارى الرومان وقيصرُهم فيها !؟

بلَعَ الطفل ريقه مع مرارة خيبته، وضاع حلم الرومان وتناثر سحرهم في الهواء في ثوان معدودة، وتبخرت نشوة التاريخ ومعها تضحيته وكبرياؤه. لكن الأسوأ من كل ذلك هو تهكم معلمهم البدين وتقريعه لهم بشتى أنواع السباب، واتهامه لهم بالغباء.. وهنا وجب التنبيه إلى أن النفر الأكبر من المعلمين كانوا طيبين ومثالا للرأفة والعطف والشفقة على الصبيان مثل آبائهم، ولذلك كانوا لا يترددون أحيانا في التعبير عن تلك الشفقة بتجريب صلابة شتى أنواع الأغصان في أجسامهم وأيديهم وسيقانهم. وكان الأطفال إذا صادفوا معلما لهم في السهل الجنوبي هربوا فورا متسلقين التلال الشمالية، ودون أن ينظروا خلفهم مخافة أن تُحَوِّلَهم نظرةُ المعلم الراجمة إلى رماد أو حجر متفحم. لكن بعض المعلمين كان سيئا ومسيئا للأطفال، ولا شيء يسيء للطفل قدر تعجرف معلمه واستغبائه له.

وعندما أطلق المعلم البدين قذيفته الساخرة والمتهكمة من الجميع، كان الطفل يود أن يسأله سؤالا واحدا.. سؤالا واحدا فقط. لكن جليد الفزع الذي هدَّ مفاصله وعظامه عقد لسانه وبعثر أفكاره، وسرعان ما انزوى المعلم في ركن من القسم، وأخرج من كيس محفظته، كعادته، سندويتشا من البيض وسمك التون، وراح يزدرده متمطقا بشدقيه السميكين، بينما التلاميذ يتضورون جوعا. ولحسن الحظ ظلت ذاكرة الطفل تحتفظ بذلك السؤال الشيق عشرات السنين إلى الآن، وقد حان الوقت، أيها القراء الفضلاء، ليشاطرَكم إياه لتجيبوا عنه قبل أن تُصدِروا حكمكم عليه وعلى أصدقائه الأطفال:

أليس الغباء هو أن نُدَرِّسَ أطفال إفريقيا تاريخ الرومان وأوروبا والأمم البعيدة قبل تعريفهم بأسماء القرى المجاورة لبلدتهم، وبمدن أوطانهم؟ …

وفي ختام هذه الحكاية الحالمة التي لم تخْلُ السباحة في مياه بحيرتها الخيالية الزرقاء من مصادفة بعض الأخطبوط والسرطانات الحقيقية، اسمحوا لي أن أنزع عني جلبابَ الراوي لألبس البدلة الرياضية للمراسل الصحافي لفريق سوكيل، وهي المهمة التي قمت بها في صباي ما بين 1979 و1983 عن شغف بنجوم هذا الفريق ودون أي مقابل، تماما مثل الرجل الطيب المسكين المسمى ب”الحليب”، وذلك لأزودكم بمعلومة رياضية تاريخية مهمة، وهي:

إن الشيء المشترك بين فرق الرمّاني وتيداس وازحليكة هو انهزامها جميعا ودائما بالملعب البلدي أمام الليث الأبيض بحصص ثقيلة من الأهداف. أما مباريات الإياب لفريق سوكيل ضد فريق ازحليكة، خاصة، في ملعبه الشبيه بملعب للتزحلق على الطين، فلا يمكن أن يسعها أي وصف رياضي، نظرا لما كانت تعرفه من نقع مُثار، وتطاير للغبار، والتفاف للسيقان، وتحرش بالحجر والهراوات والعيدان. وكان ينبغي أن تشاهدوها بأعينكم ومعكم معلمنا البدين لتتأكدوا أن فريق سوكيل كان يواجه فعلا، وبشجاعة نادرة، فريق الوندال. (انتهى)