“40 مليون حاولي” في المغرب.. زلة لسان أم أزمة تواصل سياسي؟
قراءة تحليلية في تصريح عزيز أخنوش قبيل عيد الأضحى

الوطن24/ الرباط
في السياسة، لا تمرّ الكلمات مروراً عادياً، خصوصاً عندما تصدر في لحظة اجتماعية حساسة. وهذا ما حدث مع التصريح المتداول لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش حول وجود “40 مليون حاولي” في المغرب، خلال حديثه عن وضعية القطيع الوطني وأسعار الأضاحي قبل عيد الأضحى.
العبارة أثارت موجة واسعة من التفاعل والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن شريحة كبيرة من المغاربة فهمتها على أنها حديث عن وفرة ضخمة في أضاحي العيد، بينما الواقع الذي يعيشه المواطن مختلف تماماً، في ظل الارتفاع الكبير للأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
غير أن التدقيق في مضمون التصريح يُظهر أن المقصود لم يكن “40 مليون حاولي” مخصص لعيد الأضحى، بل الحديث عن الحجم الإجمالي للقطيع الوطني في المغرب، والذي يشمل الأغنام والماعز والأبقار والإبل مجتمعة. لكن طريقة التعبير خلقت التباساً لدى الرأي العام، وفتحت الباب أمام التأويل والسخرية والانتقاد.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية: هل نحن أمام زلة لسان عابرة، أم أمام أزمة حقيقية في التواصل السياسي داخل المغرب؟
المواطن المغربي اليوم لا يتفاعل مع الأرقام الرسمية فقط، بل يقارنها مباشرة بواقعه اليومي. فعندما يسمع أن المغرب يتوفر على ملايين الرؤوس من الماشية، ثم يذهب إلى الأسواق ليجد أسعار الأضاحي مرتفعة بشكل غير مسبوق، يشعر بأن هناك فجوة بين الخطاب الحكومي وما يعيشه فعلياً.
هذه الفجوة لا ترتبط فقط بسوق الأضاحي، بل تعكس حالة أوسع من التوتر الاجتماعي المرتبط بغلاء المعيشة في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالجفاف المتواصل، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتراجع القطيع الوطني، إضافة إلى تكاليف النقل والتوزيع، كلها عوامل ساهمت في ارتفاع الأسعار، وجعلت عيد الأضحى يتحول من مناسبة دينية واجتماعية إلى عبء اقتصادي ثقيل على عدد كبير من الأسر المغربية.
كما أن توقيت التصريح لعب دوراً مهماً في تضخيم الجدل. ففي المغرب، يظل عيد الأضحى مناسبة ذات حمولة دينية واجتماعية خاصة، وترتبط في وجدان كثير من الأسر بمفهوم الكرامة والقدرة على الحفاظ على التقاليد. لذلك فإن أي تصريح يُفهم على أنه تقليل من حجم المعاناة أو انفصال عن الواقع، يتحول بسرعة إلى مادة للنقد الشعبي.
ومن زاوية سياسية، فإن ما وقع يكشف مرة أخرى أن أزمة الثقة بين المواطن والخطاب الرسمي في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بالقرارات الحكومية، بل أيضاً بطريقة التواصل مع الرأي العام. فالمغاربة اليوم ينتظرون خطاباً أكثر وضوحاً وقرباً من واقعهم، لا مجرد أرقام وإحصائيات قد تبدو بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية.
في النهاية، قد يكون تصريح “40 مليون حاولي” مجرد سوء تعبير أو زلة لسان، لكنه في المقابل كشف حجم الاحتقان الاجتماعي وحساسية المغاربة تجاه أي خطاب رسمي يتعلق بالمعيش اليومي. وفي فترات الأزمات الاقتصادية، تصبح الكلمة السياسية محسوبة بدقة، لأن المواطن لا يسمعها بعقله فقط، بل يسمعها أيضاً من زاوية معاناته اليومية.
