المغرب يُحدث تحولاً غير مسبوق في سياسته الجنائية: الإفراج عن 8947 سجيناً وتخفيض عقوبات أكثر من 88 ألفاً

الوطن24/ الرباط
في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في فلسفة العدالة داخل المغرب، أعلن عبد اللطيف وهبي عن نتائج تفعيل المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية، والتي أسفرت عن الإفراج الفوري عن 8947 سجيناً، إلى جانب استفادة أكثر من 88 ألف معتقل من نظام التخفيض التلقائي للعقوبات.
ويأتي هذا الإجراء في سياق إصلاح تشريعي واسع تقوده وزارة العدل المغربية، يهدف إلى تحديث السياسة الجنائية والانتقال بها من منطق العقاب إلى مقاربة أكثر إنسانية تقوم على إعادة الإدماج وتحفيز السلوك الإيجابي داخل المؤسسات السجنية.
وأوضح وزير العدل أن هذا التحول يرتكز على اعتماد نظام جديد للتخفيض التلقائي للعقوبة السالبة للحرية، باعتباره آلية تحفيزية تربط الاستفادة بمدى انخراط السجين في برامج الإصلاح والتأهيل، وكذا احترامه لقواعد الانضباط داخل السجن. ويُعد هذا التوجه ترجمة عملية لانتقال العدالة في المغرب نحو نموذج أكثر إدماجية يوازن بين الردع والإصلاح.
وبحسب المعطيات المقدمة، يستفيد السجناء المحكومون بعقوبات لا تتجاوز سنة من تخفيض يصل إلى خمسة أيام عن كل شهر، بينما يحصل المحكومون بعقوبات أطول على تخفيضات أكبر تُحتسب بشهر عن كل سنة ويومين عن كل شهر، وفق معايير دقيقة تهدف إلى تشجيع السلوك الإيجابي داخل المؤسسات السجنية.
ويتم تنفيذ هذا النظام عبر لجان متخصصة داخل كل مؤسسة سجنية، تضم مدير المؤسسة ورئيس المعقل وممثلاً عن الضبط القضائي وأطراً اجتماعية وطبية، حيث تتولى هذه اللجان تتبع وضعية السجناء بشكل دوري، مع التأكد من استيفاء الشروط القانونية المنصوص عليها.
كما أُقرّت آلية للتظلم لفائدة السجناء الذين لم يستفيدوا من التخفيض، حيث يمكنهم اللجوء إلى لجان مراقبة على مستوى المحاكم الابتدائية برئاسة قضاة تطبيق العقوبات، مع إمكانية منح تخفيضات إضافية للسجناء المنخرطين بفعالية في برامج التكوين أو الذين أبانوا عن سلوك متميز.
وفي مؤشر على شمولية هذا الإصلاح، أكد المسؤول الحكومي أن النظام الجديد يشمل أيضاً المحكوم عليهم ذوي السوابق القضائية، شريطة إثبات تحسن ملموس في السلوك، وذلك في حدود نصف مدة العقوبة، وهو ما يعكس توجهاً إصلاحياً يمنح فرصة ثانية لهذه الفئة.
وتكشف الأرقام أن عدد المستفيدين من نظام التخفيض التلقائي خلال الفترة الممتدة من أواخر يناير إلى منتصف مارس 2026 بلغ حوالي 88 ألفاً و229 سجيناً، أي ما يمثل أكثر من 88% من مجموع الساكنة السجنية، التي ناهزت 99 ألفاً و807 سجناء. وقد ساهم هذا الإجراء بشكل مباشر في الإفراج الفوري عن 8947 سجيناً، ما يعكس الأثر العملي والسريع لهذا الإصلاح.
ويرى متتبعون أن هذه الخطوة تشكل محطة مفصلية في مسار إصلاح العدالة في المغرب، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالاكتظاظ داخل السجون، حيث يفتح هذا التوجه الباب أمام اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية وتعزيز إعادة الإدماج الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تعمل السلطات المغربية بتنسيق مع مختلف المؤسسات المعنية، من بينها المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، على ضمان تنزيل موحد وسليم لهذا النظام، من خلال تعزيز التكوين والتأطير.
كما يجري العمل على إطلاق منصة رقمية خاصة بتدبير التخفيض التلقائي للعقوبات، بهدف تحسين النجاعة والشفافية، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو رقمنة العدالة وتحديث أدواتها.
بهذا الإصلاح، يبعث المغرب برسالة قوية إلى المجتمع الدولي مفادها أن العدالة لم تعد تقتصر على العقاب، بل أصبحت رافعة للإصلاح وإعادة الإدماج، في إطار رؤية متوازنة تجمع بين حماية المجتمع وصون كرامة الإنسان.
