برحيل عبد الوهاب الدكالي.. المغرب يودّع آخر حراس الأغنية الراقية

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم يكن عبد الوهاب الدكالي مجرد مطرب أو ملحن مرّ في تاريخ الأغنية المغربية، بل كان مدرسة فنية متكاملة، وصوتا اختصر لعقود طويلة ملامح المغرب الثقافي وهويته الموسيقية. وبرحيله، يطوي المغرب صفحة من زمن الفن الذي كان يقوم على الكلمة العميقة واللحن المتقن والرسالة الإنسانية الهادئة.
رحل الرجل الذي نجح في نقل الأغنية المغربية من حدودها المحلية إلى فضاء عربي أوسع دون أن يفقدها روحها الأصيلة. فقد ظل وفيا للهوية المغربية في ألحانه، واختار منذ بداياته أن يبني مشروعه الفني بعيدا عن الاستسهال والضجيج، ليصبح مع مرور السنوات أحد أبرز رموز الأغنية العربية الحديثة.
ولد الراحل بمدينة فاس سنة 1941، في بيئة ثقافية ساهمت مبكرا في صقل موهبته الموسيقية والفنية. ومنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، بدأ اسمه يبرز داخل الساحة الفنية المغربية، قبل أن يتحول إلى أحد أعمدة الأغنية المغربية الحديثة، بفضل أسلوبه المختلف وقدرته على المزج بين الزجل المغربي واللغة العربية الفصحى في قالب موسيقي متوازن.
وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، ظل الدكالي حاضرا بأعمال أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة والعرب، من قبيل “مرسول الحب” و“كان يا ما كان” و“ما أنا إلا بشر”، وهي أعمال تجاوزت حدود الترفيه لتتحول إلى مرآة للمشاعر الإنسانية والأسئلة الوجودية والحنين المغربي الدافئ.
نهاية جيل فني كامل
يرى الناقد الفني المغربي “س. محمد” أن رحيل الدكالي “لا يمثل فقدان فنان فقط، بل نهاية جيل كامل من المبدعين الذين منحوا للأغنية المغربية قيمتها الثقافية والوجدانية”.
وأضاف المتحدث، في تصريح خصّ به “الوطن 24”، أن “الدكالي كان يؤمن بأن الفن مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون صناعة جماهيرية، لذلك حافظ طوال مسيرته على مستوى فني راقٍ، ورفض الانخراط في موجات الابتذال التي اجتاحت الساحة الفنية العربية خلال العقود الأخيرة”.
من جهته، قال المنتج الموسيقي “ك. ياسين” إن الراحل “كان من الفنانين القلائل الذين يجمعون بين الموهبة والثقافة والرؤية الفنية الواضحة”، مشيرا إلى أن تأثيره تجاوز حدود المغرب ليصل إلى جمهور عربي واسع.
وأوضح المتحدث ذاته أن “أغاني عبد الوهاب الدكالي لم تكن تعتمد على الانتشار السريع، بل كانت تبنى لتعيش طويلا، وهو ما يفسر استمرار حضورها حتى اليوم بين الأجيال الجديدة”.
الفن كهوية وطنية
تميز مشروع الدكالي الفني بارتباطه الوثيق بالهوية المغربية، سواء من خلال اختياراته اللغوية أو المقامات الموسيقية التي استلهمها من التراث المغربي والأندلسي. لذلك، يعتبره كثيرون أحد أبرز الفنانين الذين ساهموا في ترسيخ الشخصية المغربية داخل الأغنية العربية.
وترى الباحثة في الثقافة الموسيقية “ليلى. ب” أن “قيمة الدكالي لا تكمن فقط في جمال صوته، بل في كونه نجح في جعل الأغنية المغربية حاملة لرسالة حضارية وثقافية”.
وأضافت أن “أعماله كانت تقدم المغرب بصورة راقية وهادئة، بعيدا عن الصورة النمطية التجارية التي أصبحت تهيمن على جزء كبير من الإنتاج الموسيقي المعاصر”.
حضور يتجاوز الغناء
ولم يقتصر حضور الراحل على الموسيقى فقط، بل امتد أيضا إلى المسرح والسينما، حيث شارك في عدد من الأعمال الفنية المغربية التي عززت مكانته كفنان شامل، يمتلك قدرة نادرة على التنقل بين مجالات الإبداع المختلفة.
كما عرف عنه اهتمامه الدائم بتطوير الأغنية المغربية ومتابعته المستمرة للتحولات الفنية، إذ ظل إلى سنواته الأخيرة منشغلا بمشاريع موسيقية جديدة، وفق مقربين منه، وهو ما جعل خبر رحيله يشكل صدمة واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية المغربية والعربية.
إرث لا يغيب
ورغم الغياب الجسدي، يبقى إرث عبد الوهاب الدكالي حاضرا بقوة داخل الذاكرة الفنية المغربية. فالأصوات الكبيرة، كما يقول النقاد، لا ترحل تماما، لأنها تتحول مع الزمن إلى جزء من وجدان الشعوب.
برحيل الدكالي، يخسر المغرب واحدا من آخر المدافعين عن المعنى النبيل للفن، وعن صورة الفنان الذي يصنع مجده بالاحترام والموهبة والعمل الجاد، لا بالصخب العابر. لكن أعماله ستظل شاهدة على زمن كانت فيه الأغنية أكثر صدقا، وكان الفنان أقرب إلى ضمير المجتمع وذاكرته الحية.
