حــيـن يــصل الإفـــلاس الحـــزبــي مــداه.

الوطن24/ بقلم: سعيد الكحل.
لا جدال في أن المعارضة البرلمانية تشكل إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، بما تضطلع به من وظائف التأطير والرقابة على السلطة التنفيذية، وتقويم السياسات العمومية، واقتراح البدائل الكفيلة بتحسين الأداء الحكومي للاستجابة لانتظارات المواطنين. وتستمد المعارضة مشروعيتها من قدرتها على الجمع بين النقد المسؤول والالتزام بقواعد المنافسة الديمقراطية، بما يحافظ على الثقة في المؤسسات ويضمن استمرارية الدولة. غير أن الممارسة السياسية قد تنحرف عن هذه الوظائف عندما يصبح الخطاب السياسي قائماً على الاتهام بدل البرهنة، وعلى إثارة الانفعالات الجماعية بدل تقديم البرامج، وعلى صناعة “العدو” بدل تحليل الاختلالات البنيوية. ففي هذه الحالة تنتقل السياسة من مجال للتداول العقلاني إلى مجال لإنتاج السرديات الشعبوية التي توظف نظرية المؤامرة والتخوين وسيلة لتعبئة الرأي العام. وقد سبق لعاهل البلاد أن دعا، في خطاب افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 13 أكتوبر 2017، الفاعلين السياسيين إلى الارتقاء بالنقاش العمومي من منطق المزايدة إلى منطق الإنجاز. ويعكس هذا التوجيه تصوراً للديمقراطية يقوم على إنتاج السياسات العمومية لا على إعادة إنتاج الخطابات المأزومة. فأمام فشل أطياف حزبية في إقناع المواطنين ببرامجها الانتخابية ومشاريعها المجتمعية، تلجأ إلى الشعبوية الاتهامية بغرض شيطنة الخصوم السياسيين وتبخيس الجهود التنموية للدولة دون تقديم بدائل عملية.
رأسمال الإدانة.
يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الحقل السياسي يقوم على التنافس حول الرأسمال الرمزي، أي الثقة والشرعية والمصداقية التي يمنحها المجتمع للفاعلين السياسيين. وفي الظروف الطبيعية، تُكتسب هذه الشرعية عبر الإنجاز، والكفاءة، والقدرة على تمثيل المصالح العامة. غير أن بعض الفاعلين، عندما يعجزون عن تحقيق هذا الرصيد أو يدركون إفلاس خطابهم، يلجؤون إلى استراتيجية بديلة يمكن وصفها بـ”رأسمال الإدانة”، أي بناء حضورهم السياسي من خلال اتهام الخصوم والسعي لتجريدهم من الشرعية.
في هذا السياق، تتحول الشعبوية إلى أسلوب خسيس في العمل السياسي، يقوم على تقسيم المجتمع إلى شعب نقي من جهة، ونخب متآمرة من جهة أخرى، بحيث تُختزل جميع الأزمات في إرادة خفية أو مؤامرة تستهدف الوطن أو الهوية أو السيادة. وهكذا يصبح الاتهام أكثر تأثيراً من البرهان، لأن مخاطبة الانفعالات أسهل من إقناع العقول. في هذا الإطار تدخل السرديات التالية التي روج لها فاعلون حزبيون للمداراة عن فشلهم السياسي:
1 ـ سردية التهجير الديموغرافي.
تقوم هذه السردية على الادعاء بأن قرارات ترحيل ساكنة الأحياء المهددة بالفيضانات (نموذج القصر الكبير) أو برامج إعادة التهيئة العمرانية لبعض المدن الكبرى (الرباط، الدار البيضاء) تخفي مشروعاً لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية للمغرب وتهديد هويته الثقافية والدينية، عبر تهجير السكان وتوطين جماعات يهودية قادمة من إسرائيل. هذه السردية يروج لها مناهضو التطبيع لشرعنة اتهامهم للدولة وللنظام بالتآمر على هوية المغرب وسيادته، من جهة، ومن أخرى ببناء “رأسمال الإدانة” تعويضا عن الفشل والعجز في توسيع القاعدة الانتخابية لفائدة برامجهم. وهذا تفسير ينقل النقاش من تقييم السياسات العمومية إلى صناعة سردية مؤامراتية تستثمر في المخاوف المرتبطة بالهوية والدين والسيادة.
2 ـ سردية إحراق حقول القمح.
تعتمد هذه السردية التي تبناها وروج لها عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للبيجيدي بالبرلمان، على الربط بين الحرائق التي أتت على عدد من حقول القمح بمنطقة دكالة وبين مزاعم وجود سياسة ممنهجة لحماية لوبيات الاستيراد حتى يحافظوا على السعر مرتفعا. ويغفل هذا الخطاب طبيعة السوق الدولية للحبوب، والإكراهات المناخية التي يعاني منها المغرب، فضلاً عن التحقيقات القضائية والإدارية التي تحدد أسباب كل حادثة على حدة.
3 ـ المماثلة التاريخية بين أحداث مختلفة.
النموذج الثالث المعتمد في بناء “رأسمال الإدانة” يتمثل في إجراء مماثلة بين أحداث يونيو 1981 التي تختلف جذرياً في سياقها وطبيعتها القانونية عن جريمة الهجوم على مقر للدرك الملكي بالقليعة وإحراقه بغرض السطو على الأسلحة بداخله. سردية وظفها البرلماني عبد الله بوانو في صراع حزبه مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بدوافع انتقامية تعود جذورها إلى ما سمي لحظتها بـ”البلوكاج” الذي انتهى بإعفاء بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة. ويشكل هذا النوع من القياس أحد أبرز مظاهر سوء استخدام التاريخ في الخطاب السياسي، لأنه، من جهة، يلغي الفروق بين الاحتجاج السلمي وبين الاعتداء على المؤسسات العمومية، ومن أخرى، يخلط بين الذاكرة الجماعية والوقائع القانونية، بما يفضي إلى إضفاء مشروعية رمزية على العنف ضد الدولة ومؤسساتها.
أكيد أن اللجوء إلى هذه السرديات يراد منه تحقيق الأهداف التالية:
أولا: تعويض ضعف البرامج الانتخابية عبر تحويل الاهتمام من سؤال البدائل إلى سؤال المؤامرة.
ثانياً: منح الفاعل السياسي قدرة على تعبئة الناخبين من خلال إثارة الخوف والغضب، وهي مشاعر أكثر تأثيراً من النقاش العقلاني.
ثالثاً: إعفاء الذات من المسؤولية، إذ يصبح سبب كل أزمة هو تآمر الآخرين، لا قصور الفاعل السياسي في تقديم الحلول.
رابعا : شيطنة الدولة والحكومة بمكوناتها الحزبية بانخراطهما في “مؤامرات” تستهدف الأمن الغذائي والسيادة الوطنية والهوية الدينية والقافية للمغاربة.
جدير بالذكر أنه لا خلاف حول حق المعارضة، بل واجبها، في مساءلة الحكومة وانتقاد اختياراتها، غير أن النقد الديمقراطي يختلف جذرياً عن الاتهام المجرد. فالأول يستند إلى الوقائع والمعطيات، ويقترن بتقديم بدائل قابلة للتطبيق، بينما يقوم الثاني على إثارة الانفعال وتوسيع دائرة الشك دون أن يقدم حلولاً أو يتحمل أدنى مسؤولية سياسية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الديمقراطية المغربية لا يتمثل في وجود معارضة قوية، بل في الحاجة إلى معارضة تجعل من الحقيقة والبرهان أساساً للممارسة السياسية، ومن البديل العملي معياراً للمنافسة الديمقراطية. فكلما ارتقى الخطاب السياسي إلى مستوى التحليل الرصين، إلا وتعززت الثقة في المؤسسات، واتسع أفق المشاركة السياسية، وأصبحت الديمقراطية أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
