المغـرب: تمزيق العلم المغربي في إسبانيا يشعل الغضب.. حين يعجز خطاب الكراهية عن مواجهة سؤال سبتة ومليلية!

الوطن24/ مدريد
لم يكن مشهد تمزيق العلم المغربي خلال احتجاجات شهدتها إسبانيا مجرد لقطة عابرة، بل صورة تختزل مستوى التشنج الذي بدأ يطبع جزءاً من الخطاب السياسي والشعبي الإسباني تجاه المغرب، خصوصاً مع عودة ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش.
وأظهرت صور متداولة خلال الاحتجاجات قيام شخصين بتمزيق العلم المغربي أمام المشاركين، في مشهد استفزازي لا يمكن تبريره باعتباره مجرد تعبير عن الرأي، لأن حرية الاحتجاج لا تعني الإساءة إلى رموز دولة أخرى أو تحويل الخلاف السياسي إلى استعراض للعداء.
وتأتي هذه المشاهد في سياق احتجاجات واسعة شهدتها عدة مدن إسبانية على خلفية أزمة الهجرة في سبتة، حيث خرج آلاف المحتجين للتعبير عن غضبهم من طريقة تدبير الحكومة الإسبانية للأزمة، والمطالبة بتشديد مراقبة الحدود.
حين يتحول العلم المغربي إلى هدف
قد يختلف المغاربة والإسبان حول قضايا كثيرة، وقد تحتدم المواقف بشأن الهجرة أو مستقبل سبتة ومليلية، لكن تحويل العلم المغربي إلى هدف للتمزيق أمام الكاميرات يكشف، في المقابل، عن انزلاق خطير من النقاش السياسي إلى الاستفزاز الرمزي.
فالراية المغربية ليست مجرد قطعة قماش، وإنما رمز لدولة ذات سيادة وشعب وتاريخ.
ومن هنا، فإن الإساءة إليها لن تغير موقف المغرب، ولن تحسم أي ملف سياسي، ولن تمنح المحتجين ورقة قوة في مواجهة الرباط.
بل قد تحقق النتيجة العكسية تماماً: إعادة المغرب إلى قلب النقاش السياسي الإسباني، وإعادة طرح الأسئلة التي يحاول البعض الهروب منها.
سبتة ومليلية.. السؤال الذي يزعج البعض
الأزمة الحالية في سبتة أعادت المدينتين إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعدما تحولت أزمة الهجرة إلى واحدة من أكبر الأزمات التي تواجه الحكومة الإسبانية.
وبحسب تقارير حديثة، عبر أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة خلال أزمة يوليوز، بينما لا تزال تداعياتها السياسية والأمنية مستمرة، وسط تبادل الاتهامات والضغط على حكومة بيدرو سانشيز.
واللافت أن رئيس الحكومة الإسبانية نفسه أكد أمام البرلمان عدم وجود مؤشرات تثبت أن المغرب خطط للتدفق الجماعي، رغم استمرار الجدل السياسي حول دور السلطات المغربية في الأحداث.
وهنا تظهر المفارقة: إذا كان الخلاف مع المغرب سياسياً، فلماذا يتحول العلم المغربي إلى هدف؟
المحتجون يهاجمون العلم.. لكنهم لا يملكون تغيير الجغرافيا
قد يرفع المحتجون شعارات غاضبة، وقد يمزقون علماً أمام عدسات الكاميرات، لكن لا الشعارات تغير الجغرافيا، ولا الاستفزازات تحسم القضايا السيادية.
وإذا كان من حق الإسبان الاحتجاج والتعبير عن غضبهم من أزمة الهجرة، فإن من حق المغرب أيضاً أن يرفض أي سلوك يمس رموزه الوطنية أو يحاول تحويل الخلاف السياسي إلى خطاب عدائي ضد المغاربة.
والأهم أن تحميل المغرب مسؤولية كل ما يحدث في سبتة من دون أدلة حاسمة لا يخدم الحقيقة، خصوصاً أن الحكومة الإسبانية نفسها أكدت عدم امتلاكها دليلاً على أن الرباط خططت للأحداث.
المغرب لا يحتاج إلى استفزاز إسبانيا
المغرب ليس في حاجة إلى الرد بالمثل، ولا إلى الدخول في حرب أعلام أو شعارات.
فالملفات الكبرى لا تُدار في الشوارع، وإنما عبر السياسة والدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية.
والعلاقة بين الرباط ومدريد أكبر بكثير من مشهد احتجاجي أو تصرف استفزازي.
لكن ذلك لا يعني أن المغرب مطالب بالصمت أمام الإساءة إلى رموزه، أو أن تمزيق العلم يمكن أن يصبح أمراً عادياً في خطاب الاحتجاج.
رسالة إلى أصحاب خطاب التصعيد
إذا كان بعض المحتجين يعتقدون أن تمزيق العلم المغربي يمكن أن يخيف المغرب أو يدفعه إلى التراجع، فإن التاريخ والسياسة يقولان شيئاً آخر.
القضايا المرتبطة بالسيادة والهوية لا تُحسم بتمزيق الأعلام.
وإذا كان ملف سبتة ومليلية يمثل مصدر قلق لبعض الأصوات السياسية الإسبانية، فإن أفضل طريقة لمواجهته ليست الصراخ ولا الاستفزاز، وإنما النقاش السياسي الهادئ والمسؤول.
أما تحويل العلم المغربي إلى هدف، فهو لا يقدم حلاً لأزمة الهجرة، ولا يغير موقف الرباط، ولا يلغي وجود ملف سبتة ومليلية في الذاكرة السياسية المغربية.
قد يستطيع محتج أن يمزق علماً أمام الكاميرا، لكنه لن يستطيع تمزيق قضية من الذاكرة، ولا تغيير الجغرافيا بالصراخ.
ويبقى السؤال الأهم:
هل كان تمزيق العلم المغربي تعبيراً عن قوة الموقف الإسباني، أم أنه يكشف حجم القلق كلما عاد سؤال سبتة ومليلية إلى الواجهة؟
