المغرب.. رسائل الملك تضع حصيلة لفتيت تحت المجهر

لم يكن التشخيص الملكي لتعثر الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري مجرد تذكير بأوراش إصلاحية طال انتظار نتائجها، بل أعاد فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في تدبير الشأن العام بالمغرب: من يتحمل مسؤولية بطء نقل القرار إلى الجهات، ولماذا ما تزال اختلالات الإدارة الترابية تؤثر في مسار التنمية والاستجابة لانتظارات المواطنين؟

في خطابه أمام البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، وضع الملك محمد السادس الإصلاح الترابي في صلب رهانات المرحلة المقبلة، مشدداً على أن التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تنعكس سلباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين. كما دعا إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم.

هذه الرسائل تفتح الباب أمام نقاش يتجاوز النصوص والمخططات، ليصل إلى حصيلة المسؤولين عن تنزيل الإصلاحات، وفي مقدمتهم وزارة الداخلية، بحكم دورها المحوري في الإدارة الترابية ومواكبة عمل الولاة والعمال. ومن هنا يعود اسم عبد الوافي لفتيت إلى واجهة التساؤلات السياسية: هل تقتضي المرحلة المقبلة الاستمرار بالقيادة نفسها، أم أن حجم الانتظارات يستدعي مراجعة أساليب التدبير وآليات التنفيذ؟

منذ تعيينه وزيراً للداخلية في أبريل 2017، راكم عبد الوافي لفتيت تجربة طويلة على رأس قطاع يشكل أحد الأعمدة الأساسية في تدبير الإدارة الترابية. وخلال هذه السنوات، ظل تنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري من بين الملفات التي تتقاطع فيها مسؤوليات الوزارة مع اختصاصات قطاعات حكومية أخرى ومجالس الجهات.

غير أن طول مدة المسؤولية يفرض، سياسياً ومؤسساتياً، سؤال الحصيلة: ما الذي تحقق فعلياً في نقل القرار من المركز إلى الجهات؟ وإلى أي حد أصبحت المصالح الترابية قادرة على اتخاذ المبادرات وتسريع المشاريع من دون العودة المستمرة إلى الإدارات المركزية؟

لا يعني ذلك تحميل وزير الداخلية وحده مسؤولية التعثر، فالإصلاح يتطلب تنسيقاً حكومياً واسعاً، وتحديداً دقيقاً للاختصاصات، وتوفير الموارد والآليات الضرورية. لكن موقع الوزارة في قلب الإدارة الترابية يجعل تقييم أدائها جزءاً أساسياً من أي نقاش جدي حول أسباب التأخر وسبل تجاوزه.

في قراءة سياسية لمضامين الخطاب، تبرز أهمية التوقيت أيضاً. فالمغرب يدخل مرحلة جديدة من العمل التشريعي، وسط انتظارات بشأن أولويات الحكومة المقبلة، ما يجعل ملف الجهوية واللاتمركز اختباراً عملياً لمدى قدرة التدبير العمومي على الانتقال من الإعلان عن الإصلاح إلى تحقيق نتائجه.

لكن من الضروري التمييز بين الرسائل الملكية الواضحة بشأن ضرورة تسريع الإصلاح، وبين الاستنتاجات المتعلقة بمصير أشخاص بعينهم. فالخطاب، وفق ما ورد في مضامينه المنشورة، لم يسمِّ لفتيت، ولم يعلن قراراً بشأن استمراره أو مغادرته وزارة الداخلية.

لذلك، فإن الحديث عن احتمال تغيير الوزير يظل في دائرة التساؤلات والتحليلات السياسية، لا في خانة القرارات المؤكدة. وقد يكون الاختبار المقبل مرتبطاً بتجديد القيادة، أو بإعادة ترتيب المسؤوليات، أو بتغيير طريقة اشتغال الإدارة الترابية، أو بمزيج من هذه الخيارات.

تقوم الجهوية المتقدمة على مبدأ أساسي: تمكين الجهات من دور أكبر في إعداد برامج التنمية وتنفيذها، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة الخدمات العمومية. أما اللاتمركز الإداري، فيفترض أن يمنح المصالح الخارجية للدولة صلاحيات فعلية وموارد تمكنها من اتخاذ القرار في نطاق اختصاصاتها.

غير أن وجود القوانين والمواثيق وحده لا يكفي. فنجاح الإصلاح يقاس بمدى انعكاسه على حياة المواطنين: هل أصبحت المشاريع تنجز بوتيرة أسرع؟ هل تقلصت المسافة الإدارية بين المواطن ومركز القرار؟ وهل باتت الجهات قادرة على معالجة احتياجاتها وفق أولوياتها المحلية؟

هذه هي الأسئلة التي تمنح النقاش حول حصيلة وزارة الداخلية أهميته. فالمطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل تحديد مكامن التعثر، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، وربط كل مستوى من مستويات التدبير بنتائج قابلة للقياس.

قد يفتح تشكيل الحكومة المقبلة الباب أمام مراجعة توزيع المسؤوليات، بما فيها حقيبة الداخلية. لكن تغيير المسؤول، إن حصل، لن يكون في حد ذاته ضمانة لتسريع الجهوية أو إنهاء الاختلالات الإدارية.

فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل التوجيهات إلى إجراءات محددة: نقل فعلي للصلاحيات، توفير الموارد البشرية والمالية، توضيح الاختصاصات بين الدولة والجهات، إرساء آليات فعالة للتنسيق، واعتماد مؤشرات شفافة لتقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين عن التأخير.

ومن دون هذه العناصر، قد يتحول تغيير الأسماء إلى خطوة شكلية لا تمس جذور المشكلة. أما إذا رافقته مراجعة عميقة لأساليب العمل وتحديد دقيق للمسؤوليات، فقد يشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة في المؤسسات الترابية وتسريع وتيرة التنمية.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بمستقبل وزير أو بحسابات التعيينات وحدها، بل بقدرة الإدارة العمومية على الاستجابة لمطالب المواطنين وتحويل البرامج إلى نتائج ملموسة. فالمواطن في الجهات والأقاليم لا ينتظر سجالاً حول من يتحمل المسؤولية بقدر ما ينتظر خدمات أفضل، ومشاريع لا تتعثر، وقرارات تتخذ في الوقت المناسب.

ومن هنا تكتسب رسائل الملك بشأن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري أهميتها السياسية والمؤسساتية: إنها تعيد وضع التنفيذ في صدارة التقييم، وتطرح ضرورة الانتقال من تدبير الإصلاح بوصفه مشروعاً معلناً إلى تدبيره باعتباره التزاماً بنتائج قابلة للمحاسبة.

السؤال مفتوح، والقرار لم يُحسم في الخطاب الملكي. لكن المؤكد أن الجهوية المتقدمة لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل، وأن معيار النجاح لن يكون اسم المسؤول الذي يتولى الملف، بل ما إذا كان الإصلاح سيصل أخيراً إلى الجهات والمواطنين في صورة صلاحيات فعلية وتنمية ملموسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *