حرب الرموز: الكوفية الفلسطينية من الذاكرة الوطنية إلى الكونية الإنسانية

الوطن24/ بقلم: ذ. السعيد شخمان*
ليست الرموز مجرد علامات تُرى، ولا أزياء تُرتدى، ولا شعارات تُرفع في المناسبات؛ إنها ذاكرة الشعوب حين تتجسد، وهويتها حين تتخذ شكلاً مرئياً، ومواقفها حين تتحول إلى لغة تتجاوز حدود الكلام. وفي مسارات التاريخ، كثيراً ما اكتسبت الرموز قوة تتجاوز مادتها، فأصبحت تعبيراً عن الصمود والمقاومة والتحرر، وعن حق الشعوب في الوجود والكرامة والاستقلال.
من هذا المنظور، تبرز الكوفية الفلسطينية بوصفها رمزاً متعدد الأبعاد، انتقل من فضائه المحلي إلى المجال العالمي، حاملاً دلالات تاريخية وجغرافية وسياسية وثقافية وإنسانية. فهي ليست مجرد قطعة من القماش، بل علامة ارتبطت بالذاكرة الفلسطينية، وبالتشبث بالأرض، وبمقاومة الاحتلال، وبالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.
لقد عرف التاريخ أشكالاً متعددة من حروب الرموز، حيث لم يقتصر الصراع بين الشعوب وقوى الاحتلال والاستعمار على الأرض والثروات والسيادة، بل امتد إلى اللغة والذاكرة واللباس والأعلام والأسماء والمعالم الثقافية. فالسيطرة على المجال المادي قد تترافق مع محاولات التأثير في الوعي الجمعي، وإعادة تشكيل الذاكرة، وإضعاف الروابط التي تصل الإنسان بأرضه وتاريخه وهويته. وفي المقابل، تصبح المحافظة على الرموز الثقافية والوطنية إحدى وسائل صيانة الذاكرة ومقاومة المحو الرمزي.
ولذلك، لم تكن الرموز في تجارب التحرر مجرد عناصر تزيينية أو أدوات للدعاية، بل أدت أدواراً في توحيد الجماعات، وتكثيف المعاني، واستحضار التضحيات، ونقل الرسائل السياسية والأخلاقية عبر الأجيال. وقد تتجسد هذه الرموز في علم، أو لباس، أو شعار، أو نشيد، أو صورة، أو شخصية تاريخية؛ غير أن قيمتها لا تنبع من شكلها وحده، وإنما من المعاني التي يحمّلها المجتمع لها، ومن التجارب التاريخية التي تتراكم حولها.
وتكشف المقارنة بين تجارب الشعوب أن الرمز يكتسب قوته حين يتحول من علامة فردية إلى ذاكرة مشتركة، ومن ممارسة يومية إلى تعبير عن الانتماء، ومن خصوصية محلية إلى رسالة يفهمها الآخرون ويتفاعلون معها. وعند هذه النقطة، لا يعود الرمز ملكاً للحظة التي ظهر فيها، بل يصبح جزءاً من السردية التاريخية للشعب الذي يحمله، ومن أدوات حضوره في الوعي الإنساني.
وتجسد الكوفية الفلسطينية هذا التحول بوضوح. فقد ارتبطت تاريخياً باللباس الشعبي الفلسطيني، ثم تعزز حضورها في المجال الوطني والسياسي خلال مراحل متعددة من النضال الفلسطيني، لتصبح علامة على الهوية الوطنية والتشبث بالأرض. ومع اتساع الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، وانتشار صور المعاناة والمقاومة، تجاوزت الكوفية حدود استعمالها التقليدي، وأصبحت حاضرة في المظاهرات والجامعات والفضاءات الثقافية والأنشطة التضامنية في بلدان مختلفة.
وتكمن دلالتها في تعدد مستوياتها؛ فهي، من الناحية التاريخية، تستحضر الذاكرة الشعبية واستمرارية الهوية؛ ومن الناحية الجغرافية، تحيل إلى الأرض الفلسطينية وما تحمله من ارتباط وجداني وثقافي؛ ومن الناحية السياسية، أصبحت علامة على التضامن مع القضية الفلسطينية ومناهضة الاحتلال؛ أما من الناحية الإنسانية، فقد غدت لدى قطاعات واسعة من المتضامنين تعبيراً عن رفض الظلم والدفاع عن الحرية والكرامة وحقوق الإنسان.
ولا يعني هذا التعدد أن للكوفية معنى واحداً لدى جميع من يرتدونها أو يشاهدونها؛ فالرموز تتعدد قراءاتها بتعدد السياقات والمجتمعات والتجارب. لكن ذلك لا ينفي أن الكوفية الفلسطينية اكتسبت حضوراً عالمياً، وأنها أصبحت من العلامات البصرية الأكثر ارتباطاً بالقضية الفلسطينية في الوعي العام المعاصر.
ومن هنا، يمكن فهم ما يسمى «حرب الرموز» باعتباره وجهاً من أوجه الصراع على المعنى والذاكرة والشرعية. فالرمز قد يتحول إلى مساحة للتنافس على تعريف التاريخ، وتحديد من يملك حق روايته، ومن يستطيع التعبير عن هويته بحرية. وقد تثير الرموز الوطنية خلافات تتجاوز مظهرها الخارجي، لأن المسألة لا تتعلق دائماً بما يُرتدى أو يُرفع، بل بما يمثله ذلك في الوجدان الجماعي، وبما يستحضره من تاريخ وتجارب ومطالب.
غير أن الدفاع عن الرموز لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإقصاء الآخرين أو الاعتداء عليهم بسبب اختلاف قراءاتهم، كما أن احترام الخصوصيات الثقافية والوطنية لا يتعارض مع الحوار والتعدد. إن القيمة الأخلاقية للرمز تتعزز حين يصبح وسيلة للتعبير السلمي عن الحقوق، لا أداة للتحريض على الكراهية؛ وحين يفتح المجال أمام الوعي بالتاريخ، لا حين يُستعمل لإلغاء الإنسان أو الانتقاص من كرامته.
إن الفخر بالكوفية الفلسطينية، في هذا السياق، يتجاوز الاعتزاز بقطعة من اللباس إلى التعبير عن الانتماء والوفاء للذاكرة الوطنية، وعن التضامن مع شعب يطالب بحقوقه المشروعة. وهو فخر يستمد معناه من التمسك بالكرامة الإنسانية، ومن رفض الاحتلال والاستعمار والتمييز، ومن الإيمان بأن حق الشعوب في هويتها ووجودها لا ينبغي أن يكون موضع مساومة.
كما أن عالمية الكوفية لا تعني ذوبان خصوصيتها الفلسطينية؛ بل إن قدرتها على مخاطبة ضمائر متعددة تنبع، في جانب أساسي منها، من وضوح ارتباطها بقضية شعب محدد وتاريخه وأرضه. فالرمز يستطيع أن يحمل رسالة إنسانية عامة من دون أن يفقد جذوره المحلية، بل قد تصبح خصوصيته نفسها جسراً لفهم قضايا الحرية والعدالة في سياقات أخرى.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الأساسية في حروب الرموز: قد يسعى طرف إلى التقليل من شأن رمز ما أو تجريده من دلالاته، بينما يمنحه تداوله الواسع حياة جديدة ومعاني إضافية. فالمعنى لا تصنعه السلطة وحدها، ولا تتحكم فيه جهة واحدة بصورة مطلقة؛ إذ تشارك في إنتاجه الذاكرة الشعبية، والممارسة الاجتماعية، والإبداع الثقافي، والتجارب السياسية، والتفاعل الإنساني عبر الحدود.
وفي المحصلة، فإن الكوفية الفلسطينية ليست مجرد تفصيل في مشهد سياسي متغير، بل علامة على العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه وذاكرته وكرامته. وهي تذكير بأن الشعوب لا تحيا بالجغرافيا وحدها، بل بما تحمله من معانٍ وقيم وروايات مشتركة، وأن الهوية لا تُختزل في المظاهر، كما لا يمكن فصلها عن الحقوق التي تمنحها مضمونها الإنساني.
إن الرموز التي تصمد في التاريخ ليست بالضرورة تلك التي تفرض حضورها بالقوة، بل تلك التي تجد مكانها في الوجدان، وتستمد استمرارها من ذاكرة الناس وإيمانهم بمعانيها. ومن ثم، فإن الكوفية الفلسطينية، بما تحمله من دلالات وطنية وإنسانية، تظل تعبيراً عن تشبث الفلسطينيين بهويتهم وحقهم في الحرية والكرامة، وعن اتساع دوائر التضامن مع قضيتهم.
فالكوفية ليست القماش وحده، بل الذاكرة التي يحملها، والأرض التي يستحضرها، والكرامة التي يرمز إليها. وحين يصبح الرمز لغةً للحرية، فإنه يتجاوز حدود المكان، من دون أن يفقد أصله، ويعبر إلى العالم من دون أن يتخلى عن هويته.
*كاتب وباحث مهتم بقضايا الفكر والمجتمع والعمل المدني
