ملك إسبانيا في سبتة المحتلة.. زيارة تكرّس الأمر الواقع وتعيد سؤال السيادة المغربية إلى الواجهة

ملف سبتة ومليلية بين التاريخ والجغرافيا وحسابات السياسة
الوطن 24/ سبتة
ليست زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة، اليوم الثلاثاء، مجرد محطة بروتوكولية عادية في أجندة العاهل الإسباني، ولا يمكن اختزالها في لقاءات رسمية مع المسؤولين المحليين أو في التعبير عن دعم المؤسسات الإسبانية وسكان المدينة. إنها خطوة تفتح من جديد واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وتعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية بين الرباط ومدريد، بينما يظل ملف مدينتين يعتبرهما المغرب جزءاً من ترابه الوطني خارج دائرة التسوية؟
وصول الملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، إلى سبتة، في أول زيارة رسمية له إليها منذ اعتلائه العرش سنة 2014، يعيد إلى الأذهان الزيارة التي قام بها والده الملك خوان كارلوس الأول سنة 2007، والتي أثارت حينها اعتراضاً مغربياً رسمياً وأزمة دبلوماسية بين البلدين.
وبين زيارة الأمس وزيارة اليوم، تتغير الظروف السياسية وتتبدل المصالح والتحالفات، لكن جوهر القضية يظل قائماً: المغرب لا يتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد مدينتين إسبانيتين تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا، بل يعتبرهما مدينتين محتلتين، ويربط المطالبة بهما بحقوقه التاريخية والسيادية.
كيف يزور ملك إسبانيا أرضاً يطالب المغرب باسترجاعها؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في الزيارة. فحين يحل العاهل الإسباني بمدينة سبتة، وتقدم المؤسسة الملكية الإسبانية زيارته باعتبارها تأكيداً لدعم التاج الإسباني للسلطات المحلية ولسكان المدينة، فإن مدريد تبعث، من منظورها الرسمي، برسالة واضحة مفادها أن سبتة جزء من منظومتها المؤسساتية والسياسية.
لكن من المنظور المغربي، يظل هذا التصرف تكريساً للأمر الواقع الذي يرفض المغرب التسليم به من الناحية التاريخية والسيادية.
فهل يكفي مرور الزمن، وتوالي الزيارات الرسمية، وترسيخ المؤسسات الإدارية، لتحويل قضية تاريخية إلى ملف محسوم لا يقبل النقاش؟ وهل يمكن أن يصبح استمرار السيطرة على مدينة ما بديلاً عن معالجة المطالب السيادية المرتبطة بها؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف سكان سبتة، ولا تمس حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وإنما تتعلق بجوهر الخلاف بين دولتين جارتين، تجمعهما مصالح استراتيجية واسعة، وتفصل بينهما في الوقت نفسه قضية لم تجد طريقها إلى تسوية نهائية.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة الموقف المغربي لا تكمن في الانفعال إزاء كل زيارة، بل في التمسك بالمطالبة الوطنية، وفي القدرة على الدفاع عنها بالحجة التاريخية والعمل الدبلوماسي، مع الحفاظ على المصالح المشروعة للمغرب.
سبتة ليست مجرد نقطة على الخريطة
تحتل سبتة موقعاً استراتيجياً عند مدخل مضيق جبل طارق، على الساحل الشمالي لإفريقيا، وتحيط بها الأراضي المغربية من جهتها البرية. وقد تعاقبت على المدينة مراحل تاريخية وسياسية متعددة قبل انتقالها إلى السيطرة البرتغالية سنة 1415، ثم بقائها تحت التاج الإسباني بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا سنة 1640.
ويستند الموقف المغربي إلى التاريخ الطويل للمدينة في المجال السياسي والحضاري للمغرب والمغرب الكبير، وإلى موقعها الجغرافي داخل شمال إفريقيا، فضلاً عن المطالب التي برزت بقوة بعد استقلال المغرب سنة 1956.
وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بسيادتها على المدينة، مستندة إلى قرون من السيطرة الإسبانية وإلى وضعها الدستوري والمؤسساتي الحالي.
هذا الاختلاف في المواقف هو ما يجعل القضية أبعد من مجرد خلاف على التسمية أو الإدارة المحلية. إنها مسألة سيادة متنازع عليها سياسياً، وإن كانت إسبانيا هي التي تمارس الإدارة الفعلية للمدينة اليوم.
وبالنسبة إلى المغاربة الذين يعتبرون سبتة جزءاً من وطنهم، فإن استمرار هذا الوضع يطرح سؤالاً وطنياً مشروعاً حول الكيفية التي يمكن بها إبقاء الملف حاضراً في الأجندة الدبلوماسية، بعيداً عن الشعارات الموسمية، ومن دون الإضرار بالمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
شراكة استراتيجية.. ولكن هل تتحمل الملفات السيادية الانتظار إلى ما لا نهاية؟
خلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات المغربية الإسبانية تقارباً وتعاوناً في مجالات متعددة، من بينها التجارة والاستثمار وأمن الحدود والهجرة. وقد أظهر البلدان، في أكثر من مناسبة، أهمية التنسيق بينهما لمواجهة تحديات إقليمية مشتركة.
غير أن هذا التقارب يطرح بدوره سؤالاً أساسياً: هل ينبغي أن تبقى الملفات السيادية خارج النقاش لمجرد أن البلدين تربطهما مصالح اقتصادية وأمنية مهمة؟
من حق المغرب أن يدافع عن مطالبه التاريخية والسيادية، مثلما تتمسك إسبانيا بموقفها الرسمي. لكن تحويل العلاقة الثنائية إلى شراكة استراتيجية مستدامة يقتضي الاعتراف بوجود خلافات جوهرية، والبحث عن آليات سياسية ودبلوماسية لتدبيرها، بدل الاكتفاء بتوسيع التعاون في الملفات التي لا تثير خلافاً مباشراً.
كما أن الزيارة الملكية لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحول جديد في الموقف الإسباني من قضية سبتة ومليلية، ولا تتوفر، في المعطيات المعلنة، أدلة تسمح بالجزم بأنها تستهدف استفزاز المغرب بصورة مباشرة. ومع ذلك، فإن رسالتها المؤسساتية واضحة من الجانب الإسباني، وهو ما يجعل من حق الرأي العام المغربي التساؤل عن موقع المطالب المغربية في حسابات التقارب بين البلدين.
إن العلاقات المتينة لا تعني أن يتخلى طرف عن قضاياه الوطنية، ولا أن يتعامل مع الملفات الخلافية باعتبارها من المحرمات الدبلوماسية. بل إن النضج السياسي الحقيقي يتمثل في القدرة على التعاون حيث توجد المصالح المشتركة، ومناقشة الخلافات حيث تتعارض المواقف.
من زيارة 2007 إلى زيارة 2026.. ماذا تغير؟
في نونبر 2007، أثارت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول إلى سبتة ومليلية رد فعل مغربياً رسمياً، وصل إلى استدعاء السفير المغربي من مدريد احتجاجاً على الخطوة.
أما في الزيارة الحالية، فتشير التغطيات الإعلامية المنشورة اليوم إلى اعتماد الرباط نهجاً أكثر حذراً في رد فعلها الرسمي، دون صدور إدانة رسمية جديدة للزيارة حتى الآن وفق المعطيات المتاحة.
ولا يعني اختلاف ردود الفعل أن الموقف المغربي من السيادة على المدينتين قد تغير بالضرورة؛ إذ ينبغي التمييز بين ثبات المطالب الوطنية وبين الأدوات الدبلوماسية التي تختار الدولة استخدامها في كل مرحلة.
وقد يكون الحفاظ على قنوات الحوار وتفادي التصعيد المباشر جزءاً من حسابات السياسة الخارجية، لكن ذلك لا يلغي أهمية استمرار النقاش الوطني حول مستقبل الملف، ولا يعفي مدريد من إدراك أن الزيارات الملكية، مهما كان طابعها المؤسساتي، لا تمحو الخلاف التاريخي والسياسي القائم مع المغرب.
المطلوب مغربياً: موقف ثابت ودبلوماسية فعالة
إن الدفاع عن سبتة ومليلية لا ينبغي أن يظل رهين ردود الفعل التي تتجدد كلما زار مسؤول إسباني المدينتين، بل يحتاج إلى رؤية متواصلة تحافظ على حضور الملف في النقاش السياسي والدبلوماسي، وتستند إلى الوثائق التاريخية والحجج القانونية، وتستثمر في البحث الأكاديمي والتواصل الدولي.
كما أن قوة المطالبة المغربية ترتبط بقدرة المؤسسات الوطنية على توضيح خلفياتها التاريخية والسياسية، ومتابعة تطورات الملف، وفتح نقاش مسؤول حول السبل التي يمكن أن تقود إلى معالجة سلمية للنزاع، بما يحفظ المصالح الوطنية ويجنب المنطقة توترات غير محسوبة.
ولا ينبغي، في هذا السياق، تحويل سكان سبتة إلى طرف في خصومة شعبية، أو الخلط بين حقوقهم اليومية وبين الخلاف حول السيادة. فالمطالبة المغربية يمكن أن تظل واضحة وثابتة، مع احترام كرامة السكان وحقوقهم، والتأكيد على أن الحلول السياسية المستدامة هي الطريق الأجدى لتدبير النزاعات التاريخية.
الخلاصة: الزيارات لا تحسم التاريخ
إن زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة تؤكد تمسك إسبانيا بموقفها الرسمي من المدينة، لكنها لا تنهي المطالبة المغربية ولا تلغي استمرار الخلاف حول السيادة عليها.
فبينما ترى مدريد في الزيارة ممارسة عادية لصلاحيات المؤسسة الملكية داخل مجال تعتبره إسبانياً، ينظر إليها جزء من الرأي العام المغربي باعتبارها خطوة تعيد تكريس وضع يرفض المغرب التسليم به.
وهنا تبرز مسؤولية الدبلوماسية في البلدين: هل سيظل التقارب المغربي الإسباني محصوراً في المصالح الاقتصادية والأمنية، أم يمكن أن يتحول إلى إطار أوسع لتدبير القضايا التاريخية والسيادية العالقة؟
إن المغرب، وهو يدافع عن مطالبه الوطنية، يحتاج إلى موقف ثابت وأدوات دبلوماسية فعالة، لا إلى ردود فعل عابرة. كما أن الشراكة مع إسبانيا، مهما بلغت أهميتها، لا تعني إسقاط الملفات التي يراها المغاربة مرتبطة بوحدة ترابهم وذاكرتهم الوطنية.
فالتاريخ لا يُحسم بمجرد زيارة، والسيادة لا تصبح موضوعاً منسياً لأن المصالح المشتركة تفرض استمرار الحوار. وبين الأمر الواقع والمطالبة المغربية، يظل ملف سبتة ومليلية سؤالاً مفتوحاً أمام السياسة والدبلوماسية، لا أمام الشعارات وحدها.
