فرنسا: ستة أشهر سجناً نافذاً في قضية نهب صيدلية.. هل عوقب الرجل بسبب حليب الرضع أم بسبب حيازة مسروقات؟

الوطن24/ باريس
أثار حكم قضائي بالسجن ستة أشهر نافذة في حق رجل بمدينة ستان (Stains)، بضواحي باريس، جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً في فرنسا، بعدما جرى تداول القضية على أساس أن المعني بالأمر عوقب بسبب أخذه علبة حليب مخصصة للرضع من أمام صيدلية تعرضت للنهب.
غير أن تفاصيل الملف، كما نقلتها الصحافة الفرنسية عن النيابة العامة ببوبينيي، تكشف عن رواية مختلفة، تضع القضية في سياق أوسع يرتبط بأعمال نهب استهدفت صيدلية خلال ليلة 17 إلى 18 أكتوبر الجاري، بالتزامن مع أحداث العنف والتخريب التي رافقت احتجاجات شهدتها البلاد.
روايتان متعارضتان.. وحكم يثير الجدل
بدأ الجدل بعدما جرى تقديم القضية باعتبارها مثالاً على قسوة العدالة الفرنسية، إثر مطالبة النيابة العامة بالسجن 14 شهراً نافذاً في حق الرجل، الذي مثل أمام المحكمة في إطار المحاكمة الفورية يوم الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري.
وسرعان ما دخلت القضية دائرة التجاذب السياسي، إذ انتقد مانويل بومبار، منسق حزب «فرنسا الأبية» (La France insoumise)، ما اعتبره توجهاً نحو تشديد الإجراءات القضائية، مستشهداً بقضية الرجل الذي قيل إنه أخذ علبة حليب للرضع، ومقارنًا العقوبة المطلوبة في حقه بقضايا سياسية أخرى.
لكن النيابة العامة ببوبينيي قدمت رواية مغايرة، وفق ما أوردته الصحافة الفرنسية، مؤكدة أن الأمر يتعلق بنهب صيدلية يُشتبه في أنه كان منظماً، وشارك فيه أشخاص ملثمون، وأن الرجل ضُبط وهو يأخذ صناديق من المسروقات.
وأضافت النيابة أن المعني بالأمر تخلّص من حليب الرضع الموجود داخل الصناديق لأنه لم يكن يرغب فيه، مشيرة إلى أنه سبق أن صدرت في حقه سبع إدانات قضائية.
وهذه المعطيات تجعل اختزال الملف في مجرد أخذ علبة حليب للرضع قراءة لا تعكس، بمفردها، جميع الوقائع التي استندت إليها النيابة العامة.
لماذا خُفّضت العقوبة من 14 إلى ستة أشهر؟
المعطى الأبرز في هذه القضية أن النيابة العامة طلبت 14 شهراً من السجن النافذ، مع الإيداع الفوري في السجن، على أساس تهمة السرقة المشددة.
غير أن المحكمة انتهت إلى إدانة الرجل بستة أشهر سجناً نافذاً، مع الأمر بإيداعه السجن، بعد إعادة تكييف الأفعال إلى جنحة إخفاء أشياء متحصلة من السرقة، المعروفة في القانون الفرنسي بمصطلح «Recel de vol».
ويعني هذا التكييف أن الحكم النهائي لم يصدر وفق الوصف القانوني نفسه الذي استندت إليه النيابة في طلبها للعقوبة، وهو تفصيل أساسي لفهم الفرق بين الاتهام والعقوبة الصادرة.
كما أن وجود سبع إدانات سابقة، وفق ما نقلته النيابة، يظل معطى ذا صلة بالسياق القضائي، لكنه لا يعفي من ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة في الملف والتعليقات السياسية التي رافقت القضية.
بين حماية الممتلكات وضمان عدالة العقوبة
تطرح هذه القضية سؤالاً يتجاوز مصير شخص واحد: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الممتلكات الخاصة والتصدي لأعمال النهب، من جهة، وضمان التناسب بين الأفعال المرتكبة والعقوبات القضائية، من جهة أخرى؟
فالصيدليات ليست مجرد محلات تجارية عادية، بل مرافق توفر الأدوية والمنتجات الصحية للمواطنين، وقد يؤدي الاعتداء عليها إلى الإضرار بأصحابها وبقدرة السكان على الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.
وفي المقابل، فإن تقييم أي حكم قضائي ينبغي أن يستند إلى الوقائع والأدلة والتكييف القانوني المعتمد، لا إلى الانطباعات أو العناوين المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن تحويل قضية جنائية إلى أداة للمواجهة الحزبية قد يحجب النقاش الحقيقي حول مسؤولية المتورطين في أعمال النهب، وحدود العقوبة، ومدى احترام مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون.
قضية تختبر الخطاب السياسي والعدالة الفرنسية
تكشف قضية ستان عن سرعة تحول الوقائع الجنائية إلى مادة للسجال السياسي في فرنسا، خصوصاً في سياق حساس أعقب أعمال العنف والنهب التي شهدتها البلاد خلال احتجاجات 17 أكتوبر.
وبين من يقدم القضية باعتبارها دليلاً على التشدد القضائي، ومن يستند إلى رواية النيابة للتأكيد على خطورة نهب الصيدليات وحيازة المسروقات، يبقى من الضروري عرض الوقائع كاملة، والتمييز بين طلبات النيابة والأحكام الصادرة عن المحاكم.
والخلاصة أن الرجل لم يُحكم عليه، وفق المعطيات المنشورة، بالسجن ستة أشهر لمجرد أخذ علبة حليب للرضع، بل في قضية انتهت المحكمة فيها إلى إدانته بإخفاء أشياء متحصلة من السرقة. أما مدى تناسب العقوبة مع ظروف الملف، فيظل موضوعاً للنقاش القانوني، بعيداً عن الاختزال والتوظيف السياسي.
الوطن24 — أخبار وتحليلات من فرنسا والعالم
