فرنسا تتحرك لتأمين شريان الطاقة من الخليج.. ماكرون في الرياض لتعزيز الشراكة مع السعودية وسط اضطرابات الشرق الأوسط

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف الأوروبية بشأن أمن الإمدادات الطاقية، يواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحركاته الدبلوماسية في الخليج، واضعاً أمن الطاقة في صلب أولويات السياسة الخارجية الفرنسية، بالتوازي مع تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية مع الدول الخليجية.
وفي هذا السياق، استقبل ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض، في زيارة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتشمل أمن المنطقة، واستقرار طرق الملاحة البحرية، وضمان تدفق إمدادات الطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
وجرى اللقاء في الديوان الملكي بقصر اليمامة، حيث بحث الجانبان آفاق التعاون السعودي الفرنسي، وتبادلا وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية، وسبل تنسيق الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة بفعل الحرب والتوترات التي تهدد حركة التجارة وإمدادات الطاقة.
أمن الطاقة.. المحرك الأساسي للتحرك الفرنسي
لا يمكن قراءة الجولة الخليجية لماكرون بمعزل عن الضغوط التي تواجهها فرنسا وأوروبا في مجال الطاقة، خصوصاً في ظل اضطرابات الإمدادات ومخاطر تعطل الملاحة عبر الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط والغاز على المستوى العالمي.
فبالنسبة إلى باريس، لم يعد تنويع مصادر الطاقة مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح جزءاً من حسابات الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي، بالنظر إلى انعكاس أسعار الوقود والطاقة على تكاليف النقل والإنتاج والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتكشف التحركات الفرنسية في الخليج عن سعي واضح إلى توسيع هامش المناورة أمام الاقتصاد الفرنسي، وتقليص مخاطر الاعتماد على مسارات إمداد قد تتأثر بالصراعات الإقليمية أو التوترات الجيوسياسية.
ووفق المعطيات الواردة بشأن الجولة، حصلت فرنسا على تعهدات بإمدادات إضافية من الديزل من الإمارات والبحرين، إلى جانب الإمدادات السعودية، فضلاً عن ترتيبات لتأمين كميات من الغاز القطري خلال فصل الشتاء.
نحو 295 ألف طن من الديزل شهرياً
تشير الأرقام المعلنة إلى أن الإمارات والبحرين تعهدتا بتوفير 200 ألف طن إضافية من الديزل شهرياً لفرنسا، بواقع 100 ألف طن من كل دولة، فيما تبلغ الإمدادات السعودية المشار إليها نحو 95 ألف طن شهرياً.
وبذلك، يصل مجموع الكميات إلى حوالي 295 ألف طن من الديزل شهرياً، وهو ما يعادل، بحسب المعطيات المتداولة، ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من استهلاك فرنسا من هذه المادة.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل حساسية سوق الديزل بالنسبة إلى قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصناعة، فضلاً عن ارتباط أسعار الوقود بتكاليف المعيشة والإنتاج.
غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه الإمدادات لا تعني بالضرورة أن فرنسا تجاوزت مخاطر اضطرابات السوق؛ فاستمرار تدفق الوقود يظل مرتبطاً بانتظام الشحن، وتطورات الوضع الأمني في المنطقة، وشروط التعاقد والأسعار، فضلاً عن قدرة البنية التحتية على استيعاب الإمدادات وتوزيعها.
وفي الدوحة، أعلن ماكرون أن فرنسا أمّنت إمدادات من الغاز القطري تبلغ نحو تيراواط/ساعة خلال فصل الشتاء، وفق الصيغة الواردة في المعطيات المتعلقة بالجولة، دون إعلان قيمة مالية مستقلة لهذه الإمدادات. وتظل تفاصيل العقود ومددها وشروطها التجارية عناصر أساسية لتقييم أثرها الفعلي على أمن الطاقة الفرنسي.
الخليج.. شريك اقتصادي وورقة استراتيجية لباريس
لم تقتصر جولة ماكرون على ملف الوقود والغاز، بل امتدت إلى التعاون الدفاعي والاستثمارات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، في مؤشر على رغبة فرنسا في توسيع نطاق علاقاتها الخليجية لتشمل قطاعات استراتيجية طويلة الأمد.
ففي الكويت، التقى الرئيس الفرنسي أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وشهدت الزيارة توقيع ثمانية مستندات شملت اتفاقيات وإعلانات نوايا ومذكرات تفاهم في مجالات الدفاع والطيران المدني والذكاء الاصطناعي والاستثمار والصحة والبحث العلمي.
وفي الإمارات، بحث ماكرون مع رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب ملفات الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة والأمن البحري والتطورات الإقليمية.
أما في قطر، فقد تناولت مباحثاته مع الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الشراكة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي والاستثماري وملفات الطاقة والأمن والدفاع. كما شارك الرئيس الفرنسي في قمة الرؤساء التنفيذيين لصناديق الثروة السيادية ضمن مبادرة «كوكب واحد».
وتعكس هذه التحركات إدراكاً فرنسياً متزايداً لأهمية رؤوس الأموال الخليجية في تمويل المشاريع الكبرى، وللدور الذي باتت تؤديه دول المنطقة في أسواق الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا.
السعودية وفرنسا.. شراكة تتجاوز المصالح التجارية
يحمل اللقاء بين ماكرون ومحمد بن سلمان دلالات سياسية وأمنية إضافية، بالنظر إلى أهمية السعودية في معادلات الطاقة الإقليمية والدولية، ومكانتها في الملفات المرتبطة بأمن الخليج واستقرار الملاحة البحرية.
كما أن إعلان باريس تضامنها مع الرياض في مواجهة هجمات الحوثيين يضع التعاون الأمني في قلب العلاقة الثنائية، ويعكس حرص فرنسا على حماية مصالحها وشراكاتها في منطقة ترتبط بها مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة.
لكن هذه الشراكة تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول قدرة الدبلوماسية الأوروبية على الجمع بين حماية المصالح الاقتصادية والمساهمة في خفض التصعيد الإقليمي، خصوصاً عندما تصبح طرق الطاقة والتجارة عرضة للمخاطر العسكرية.
فاستقرار الخليج لا يمثل مصلحة للدول المنتجة وحدها، بل يرتبط أيضاً بأمن الأسواق الأوروبية، وبقدرة الاقتصادات الصناعية على الحصول على الطاقة بأسعار وشروط مستقرة.
هل تنجح باريس في تحصين اقتصادها من أزمات الطاقة؟
تمنح التعهدات الخليجية فرنسا فرصة لتعزيز احتياطاتها من الإمدادات وتنويع شركائها، لكنها لا تشكل، في حد ذاتها، ضمانة كاملة ضد تقلبات أسعار الطاقة أو المخاطر الجيوسياسية.
فالتحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتأمين كميات إضافية من الديزل والغاز، بل بمدى استدامة هذه الإمدادات، وكلفتها، وقدرة فرنسا على حماية سلاسل التوريد من الصدمات الخارجية.
كما أن الرهان على الشراكات الخليجية يفرض على باريس إدارة دقيقة للتوازن بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية والدبلوماسية، في منطقة تتشابك فيها ملفات الحرب والملاحة البحرية والتنافس الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة ماكرون إلى الرياض امتداداً لجولة خليجية تحاول من خلالها فرنسا تثبيت موقعها شريكاً اقتصادياً وأمنياً موثوقاً، في وقت تتزايد فيه أهمية الطاقة باعتبارها عنصراً مؤثراً في القرار السياسي والعلاقات الدولية.
الخلاصة: تكشف التحركات الفرنسية في الخليج عن معادلة واضحة: لا يمكن فصل أمن الطاقة عن الأمن الإقليمي، ولا يمكن ضمان استقرار الاقتصاد الفرنسي دون تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز الشراكات الاستراتيجية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل رهيناً بتطورات المنطقة، واستقرار الممرات البحرية، ومدى تحول التعهدات السياسية إلى إمدادات فعلية ومستدامة.
