المغرب في قمة موسكو.. لماذا اختارت المنصوري اللغة الفرنسية لإلقاء خطاب المملكة بدل العربية؟

أثار اختيار رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، إلقاء كلمة المغرب باللغة الفرنسية خلال مشاركتها في أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة المنعقدة بالعاصمة موسكو، نقاشاً واسعاً بشأن رمزية اللغة التي يعتمدها المسؤولون المغاربة عند تمثيل المملكة في المحافل الدولية، ومدى انسجام هذه الاختيارات مع المكانة الدستورية للغتين الرسميتين للبلاد.

ولم يكن مستغرباً أن يثير هذا الاختيار تساؤلات لدى عدد من المتابعين، خصوصاً أن الأمر يتعلق بخطاب رسمي باسم المملكة المغربية في لقاء دولي تحتضنه روسيا، وليس مناسبة ثنائية مع دولة تعتمد الفرنسية لغة للتواصل الرسمي.

وتتجاوز دلالات هذا النقاش مجرد الاختلاف حول لغة إلقاء خطاب دبلوماسي، لتلامس قضايا الهوية الوطنية والاعتزاز بالانتماء، وصورة المغرب في الخارج، فضلاً عن طبيعة العلاقة التي ما زالت تربط جزءاً من النخبة السياسية والإدارية باللغة الفرنسية، رغم مرور عقود على استقلال البلاد.

فالدستور المغربي واضح في هذا الشأن؛ إذ ينص الفصل الخامس على أن العربية لغة رسمية للدولة، كما يقر بالأمازيغية لغة رسمية باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة. وفي المقابل، لا يمنع الدستور الانفتاح على اللغات الأجنبية وتعلمها واستعمالها في التواصل الدولي.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان استعمال الفرنسية مسموحاً به، وإنما لماذا وقع الاختيار عليها تحديداً لإلقاء خطاب المغرب في موسكو، بينما كان بالإمكان اعتماد اللغة العربية، مع توفير الترجمة الفورية إلى اللغات التي تقتضيها طبيعة القمة والحضور الدولي.

فالمسؤول الذي يمثل بلاده في المحافل الدولية لا يحمل معه صفته السياسية فقط، بل يحمل أيضاً رمزية الدولة وهويتها الثقافية والحضارية. ومن هذا المنطلق، كان من الممكن أن يشكل إلقاء كلمة المغرب باللغة العربية رسالة واضحة تعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية، وتؤكد أن الانفتاح الدبلوماسي لا يتعارض مع احترام اللغات الرسمية للدولة.

كما أن العربية ليست لغة محلية محدودة الانتشار، بل إحدى اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة، ويتحدث بها مئات الملايين عبر العالم، وهو ما يجعل حضورها في المحافل الدولية أمراً طبيعياً، وليس عائقاً أمام التواصل أو إيصال المواقف السياسية.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى إقصاء اللغة الفرنسية أو التقليل من أهميتها باعتبارها لغة تواصل دولي، وإنما برفض استمرار التعامل معها باعتبارها الخيار الافتراضي والأكثر أهلية لتمثيل المغرب، وكأن العربية لا تملك المقومات اللغوية والدبلوماسية اللازمة للتعبير عن مواقف الدولة ومصالحها.

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بمسؤولين يتولون تدبير الشأن العام، في وقت ما زالت فيه مسألة تكافؤ الفرص اللغوية والتعليمية تطرح نفسها بقوة داخل المجتمع المغربي، حيث يجد عدد من الشباب أنفسهم أمام تفاوتات واضحة في فرص الولوج إلى التعليم والتكوين وسوق الشغل، تبعاً لمستواهم في اللغات الأجنبية.

ومن هنا، فإن الاعتزاز باللغة الرسمية لا ينبغي أن يظل مجرد مقتضى دستوري أو شعار يرفع في المناسبات الوطنية، بل يفترض أن ينعكس في الممارسة المؤسساتية، وفي طريقة تقديم المغرب وصورته أمام شركائه الدوليين.

ويبقى من حق الرأي العام المغربي أن يتساءل عن الخلفيات التي دفعت رئيسة الحكومة إلى اعتماد الفرنسية في هذه المناسبة، وما إذا كان الاختيار مرتبطاً باعتبارات بروتوكولية أو دبلوماسية محددة، أم أنه يعكس استمرار تقليد راسخ لدى بعض المسؤولين في تفضيل الفرنسية عند تمثيل الدولة خارج حدودها.

إن القضية لا تتعلق بشخص فاطمة الزهراء المنصوري وحدها، بل بسؤال أوسع يرتبط بصورة المغرب الذي يريد أن يقدمه ممثلوه للعالم: مغرب منفتح ومتعدد اللغات، لكنه معتز بهويته، ومتمسك بلغاته الرسمية، ولا يرى في استعمال لغة أجنبية شرطاً لاكتساب المكانة أو إثبات الحضور الدبلوماسي.

فقد غادر الاستعمار الفرنسي المغرب منذ عقود، لكن النقاش حول استمرار نفوذ لغته داخل بعض دوائر الإدارة والسياسة والتعليم ما زال قائماً. وربما حان الوقت لإعادة طرح هذا الملف بجدية، بعيداً عن المزايدات أو الأحكام المسبقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *