المغرب: فوضى الأسعار في الأسواق.. المواطن في مواجهة الغلاء وسط تساؤلات حول فعالية الرقابة وحماية القدرة الشرائية

الوطن24/ خاص
لم يعد ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق المغربية مجرد موجة عابرة أو تقلب ظرفي يمكن تجاوزه بمرور الأيام، بل أصبح وضعاً مقلقاً يتسع نطاقه يوماً بعد آخر، ويثقل كاهل الأسر المغربية التي تجد نفسها أمام واقع معيشي متزايد الصعوبة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية الأساسية، وامتداد موجة الغلاء إلى عدد من الخدمات المرتبطة بالحياة اليومية، بما فيها النقل.
إن المتجول في الأسواق الشعبية ومحلات بيع الخضر والفواكه يلاحظ تفاوتاً واضحاً في أثمان البيع، وارتفاعاً متواصلاً في أسعار عدد من المنتجات التي تشكل جزءاً أساسياً من الاستهلاك اليومي للمواطن. فكل يوم يحمل معه سعراً جديداً، وكل زيارة للسوق قد تفاجئ المستهلك بزيادة إضافية، دون أن يجد في كثير من الأحيان تفسيراً واضحاً أو معلومة دقيقة تمكنه من معرفة أسباب هذا الارتفاع والتحقق من مدى مشروعيته.
والأكثر إثارة للقلق أن المواطن أصبح، في كثير من الحالات، يواجه السوق دون معرفة مسبقة بالأسعار المرجعية، ودون ضمان كافٍ لحقه في الاطلاع على أثمنة البيع بشكل واضح ومعلن. فكثير من فضاءات البيع لا تحترم بالشكل المطلوب قواعد إشهار الأسعار، الأمر الذي يفتح المجال أمام تفاوتات غير مفهومة، ويجعل المستهلك أمام واقع يضطر فيه إلى قبول الثمن الذي يحدده البائع، أو الانسحاب من عملية الشراء، رغم حاجته إلى المادة المعروضة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين هي المراقبة القانونية للأسواق؟ وأين هي الأجهزة المكلفة بالسهر على احترام قواعد المعاملات التجارية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين؟ وإلى أي حد تنجح آليات المراقبة الحالية في التصدي للاختلالات التي قد تعرفها عمليات البيع والتوزيع؟
إن القضية لا تتعلق بمطالبة الدولة بالتدخل الاعتباطي لتحديد جميع الأسعار، أو بإلغاء مبدأ حرية الأسعار والمنافسة، وإنما بضمان احترام القانون، والتصدي للممارسات التجارية غير المشروعة، ومحاربة الاحتكار والتلاعب والمضاربة غير القانونية، وإلزام المهنيين باحترام قواعد الشفافية وإشهار أثمنة البيع.
فحرية الأسعار لا تعني الفوضى، وحرية المبادرة التجارية لا تعني إعفاء البائع من الالتزامات القانونية، كما أن المنافسة لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لممارسات تضر بالمستهلك وتضعه أمام اختيارات مفروضة بحكم الحاجة والضرورة.
لقد وضع المشرع المغربي إطاراً قانونياً لحماية المستهلك، من خلال القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك، الذي يكرس حق المستهلك في الإعلام الواضح بشأن خصائص المنتجات وأسعار السلع والخدمات. كما يؤطر القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة قواعد اشتغال السوق، ويحدد الضوابط القانونية المرتبطة بالمنافسة، فضلاً عن إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية بشأن الأسعار في الحالات والشروط التي يحددها القانون.
غير أن الإشكال الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى تفعيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، وبمدى انتظام عمليات المراقبة وفعاليتها، وقدرتها على الانتقال من التدخل الموسمي والمناسباتي إلى حضور يومي ملموس داخل الأسواق ونقط البيع.
فلا يكفي أن تكون النصوص القانونية موجودة إذا لم يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، ولا معنى للحديث عن حماية المستهلك إذا ظل عاجزاً عن معرفة الثمن الحقيقي للمنتوج قبل اقتنائه، أو عن التبليغ عن الممارسات المخالفة دون أن يجد آلية واضحة وفعالة للإنصاف.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل ظاهرة الغلاء عن الاختلالات التي قد تعرفها سلاسل التوزيع والتسويق، وتعدد الوسطاء، وضعف الشفافية في بعض أسواق الجملة، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين والتوزيع. وهي عوامل تستدعي مراقبة دقيقة لمسار المنتوج، منذ خروجه من الضيعة الفلاحية إلى وصوله إلى المستهلك النهائي، حتى لا يتحول تعدد حلقات الوساطة إلى مجال محتمل لتضخيم الأسعار على حساب المنتج والمستهلك معاً.
وإذا كانت بعض الزيادات مرتبطة بعوامل موضوعية، من قبيل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، أو تراجع العرض، أو الظروف المناخية، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب ضرورة التحقق من الممارسات التجارية ومدى احترام قواعد المنافسة، ولا أن يجعل المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها كلفة الاختلالات الاقتصادية والتدبيرية.
إن الأمر يحتاج إلى يقظة رقابية حقيقية، وإلى تنسيق فعال بين السلطات المحلية والمصالح المكلفة بالتجارة والاقتصاد والجهات المعنية بمراقبة الأسواق، مع تعزيز دور جمعيات حماية المستهلك وإشراكها في رصد الاختلالات والتبليغ عنها والدفاع عن الحقوق الاقتصادية للمواطنين.
كما أصبح من الضروري اعتماد إجراءات عملية ومستدامة، من بينها:
- فرض احترام إلزامية إشهار الأسعار بشكل واضح ومقروء في جميع فضاءات البيع المعنية.
- تكثيف المراقبة الميدانية، وعدم الاقتصار على الحملات الظرفية والمناسباتية.
- نشر مؤشرات يومية أو دورية لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية حسب المناطق والأسواق.
- مراقبة مسارات توزيع الخضر والفواكه، ورصد هوامش الوساطة والتجاوزات المحتملة.
- التصدي للاحتكار والتواطؤ والممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
- تفعيل المساطر القانونية في حق المخالفين، مع تمكين المستهلك من آليات سهلة وفعالة للتبليغ والتظلم.
- إحداث آليات للتنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان شفافية السوق وحماية القدرة الشرائية.
إن أخطر ما في استمرار هذا الوضع ليس فقط تآكل القدرة الشرائية للأسر، بل ما قد يترتب عنه من إحساس متزايد بالغبن وانعدام الإنصاف وفقدان الثقة في فعالية المؤسسات المكلفة بحماية المواطن. فحين تصبح المواد الأساسية عبئاً يومياً، وحين يتحول الذهاب إلى السوق إلى مصدر قلق بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، فإننا نكون أمام قضية اجتماعية تتجاوز حدود العرض والطلب لتلامس الاستقرار الاجتماعي والتوازن الاقتصادي.
ولا ينبغي الاستهانة بهذه المؤشرات، لأن استمرار الضغط على القدرة الشرائية، في غياب تدخل رقابي فعال وتواصل مؤسساتي واضح، قد يفاقم الاحتقان الاجتماعي ويعمق الشعور بالتهميش الاقتصادي، وهي تداعيات يتعين استباقها بالمسؤولية واليقظة والحزم.
إن حماية القدرة الشرائية ليست مجرد شعار حكومي أو مطلب فئوي، بل هي جزء من حماية الكرامة الإنسانية وضمان شروط العيش الكريم. والمواطن الذي يؤدي واجباته ويلتزم بالقانون من حقه أن يجد سوقاً منظمة، ومعاملات شفافة، وأسعاراً معلنة، ومؤسسات تقوم بواجبها في المراقبة والتدخل عند الاقتضاء.
إننا اليوم أمام ضرورة وقفة مؤسساتية عاجلة ومسؤولة، تعيد الانضباط إلى الأسواق، وتضع حداً لفوضى المعاملات والتجاوزات، وتؤكد أن حرية التجارة لا تنفصل عن المسؤولية القانونية والاجتماعية.
فليس مقبولاً أن يظل المواطن وحيداً في مواجهة سوق تتغير أسعارها باستمرار دون أن تتضح له أسبابها، وليس من الإنصاف أن يتحمل المستهلك وحده تبعات اختلالات منظومة التسويق والتوزيع.
السوق ليست فضاءً خارج القانون، والمستهلك ليس الحلقة التي يجوز التضحية بها، وحماية القدرة الشرائية ليست امتيازاً تمنحه المؤسسات، بل مسؤولية قانونية ومؤسساتية واجتماعية لا تحتمل التأجيل.
