شاي منعنع وإسفنج طازج (قصة)

الوطن 24/ بقلم: الدكتور أحمد التهامي جوهري
بمناسبة الدخول المدرسي الغريب لهذا العام، أهدي حلقات هذه القصة الطفولية لأساتذتي الكرام، وأصدقاء الطفولة والصبا بثانوية سيدي عيسى، وكافة أبناء مدينة سوكيل العزيزة.(عربون محبة ووفاء لكم جميعا وللثانوية والمدينة)
الحلقة(1) ما قبل الحكاية: (الزمن و المكان)
تجري أحداث هذه القصة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أي في مرحلة زمنية تسميها الأدبيات السياسية والحقوقية المغربية اليوم بسنوات الجمر والرصاص، وخلالها كانت المملكة تعيش في جو سياسي إقليمي متوتر وهي تستعد لتنظيم مسيرة خضراء لاسترجاع الأقاليم الصحراوية الجنوبية، بعد أن عرفت عدة محاولات انقلاب عسكرية متهورة فاشلة قام بها ضباط مغاربة سابقون في الجيش الإمبراطوري الاستعماري الفرنسي.
أما مكان القصة فهو مدينة سوكيل التي تقع على الضفة الشمالية لنهر سبو، وتبعد عن الساحل الأطلسي الغربي بحوالى ثلاثين ميلا. وقد بنتها الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين على شاكلة القرى السياحية الصغيرة. ونظرا لموقعها الاستراتيجي القريب من حدود الاحتلال الإسباني ومن العاصمة الرباط وشاطئ مولاي أبي سلهام الجميل، فقد تمتعت بوضع شبيه بمدن القنصليات الفرنسية، حيث بنى المستعمرون فيها كنيسة، ومعبدا يهوديا، وحانتين، ومدرستين حديثتين للتعليم، وقاعة سينما لعرض الأفلام بالأبيض والأسود، وقاعة للرقص الكلاسي. ومدوا فيها خطا حديديا يصلها بميناء طنجة شمالا ومدينة فاس ووجدة شرقا، وبالعاصمة الرباط جنوبا، وشيدوا فيها محطة لركوب القطار، وأخرى لشركة حافلات النقل الستيام، وبجوارها محطات لتزويد الشاحنات والحافلات والسيارات بالوقود، وعدة ورشات ميكانيكية، وملاعب رياضية، ومسبحا، وتوجوا كل ذلك بتزيين المدينة بالحدائق الغناء، والأشجار الخضراء؛ ولذلك مازال شيوخها الذين استمتعوا بورود بساتينها في فجر الاستقلال يسمونها إلى الآن مدينة الزهور.
لكن القصة التي سأحكيها ليست عن هذا الجيل الأول، بل عن جيل تال، جيل مرحلة السبعينيات، بعد مرور عقدين من الزمن على خروج الجيش الإمبراطوري الفرنسي من سوكيل ومن المملكة المغربية. وهو الجيل الذي نجا الأحياء منه بأعجوبة من وباء الكوليرا (بوكليب) اللعين، ولم يعرفوا التعليم الأولي الحديث، وعرفوا بدلا منه عصا الفقيه في سن مبكرة بالكتاتيب القرآنية، وتعلم معظمهم نطق اللغات الحية في الشارع الرئيس لمدينة سوكيل من أفواه السواح الدوليين العابرين نحو جنوب المملكة وشرقها. وهو الجيل الذي شاهد ذات مساء صيفي مقاتلات الجنرال أوفقير ترشق طائرة البوينك الملكية بوابل من النيران فوق غابة ساحل مولاي أبي سلهام ظانا أن ذلك مجرد ألعاب نارية احتفالية بالموكب الملكي في سماء الساحل الأطلسي الصافية. وهو أيضا الجيل الذي رقص على بانجو ناس الغيوان ودعدوع بوجميع، وعايش تدمير حدائق الزهور الجميلة بمدينته عاما بعد عام، ورآها بغصة عميقة يغزوها سواد الإسمنت المسلح وتتحول خمائل أشجارها الوارفة الظلال إلى عمارات صفراء سقيمة، أو محطات لسيارات النقل العمومي بلون القشدة الباهت، أو مراحيض مجانية في الهواء الطلق للمتشردين والمتسكعين.
وتدور معظم أطوار هذه القصة في بناية “لاميسيون”، وهي ملحقة تعليمية للثانوية الوحيدة بالمدينة التي تحمل اسم وليها الصالح سيدي عيسى. وتتألف من حجرات دراسية منخفضة بسقف من القرميد، ونوافذ زجاجية متوسطة مستطيلة تطل على صفين متقابلين من أشجار التوت الأبيض، ولا تكفي أشعة الشمس الضئيلة التي تنسل منها لتدفئة مقاعدها الخشبية القصيرة ذات الهياكل الحديدية الباردة في فصل الشتاء، كما تتوسطها ساحة صغيرة لا تكفي لإنجاز التمارين الرياضية.

والبناية في الأصل مقر شركة فلاحية أنشأها المستعمرون الفرنسيون، وحولوها إلى مدرسة ابتدائية ثانية لأبناء المعمرين المسيحيين والجالية اليهودية المقيمة بالمدينة وأبناء الأعيان المسلمين(المدرسة الابتدائية الأولى هي سيدي عيسى بجوار الكنيسة قبل أن تتحول إلى إعدادية ثم ثانوية). ثم تحولت لاميسيون بعد الاستقلال إلى ملحقة للثانوية يملأها تلاميذ المدينة وأبناء القرى المجاورة. وكانت تحيط بها عدة ضيعات كبيرة لبقايا المستوطنين الأجانب وقُوّاد الاستعمار المغاربة، وفنادق وأهراء الحبوب لكبار الفلاحين والإقطاعيين، وشركات لتسويق الجرارات وسيارات الرونو. ثم يمتد سهل خصب منخفض من التيرس الأسود على طول ثلاثين ميلا، يبدأ من سور لاميسيون وصفِّ أشجار التوت الأبيض ويمتد إلى شاطئ الساحل الأطلسي الغربي.. شاطئ أحلام صبيان سوكيل.. هناك حيث تمتزج أشعة شمس الغروب الأرجوانية بملوحة رذاذ بخار البحر الرطب، وتُحَلِّق أسراب النوارس البيضاء مصفقةً فوق لوحة المرجة الزرقاء، ثم تنحدر فوق أشجار الصنوبر والكليبتوس والعرعار قبل أن تحط فوق خط التجويف الصخري البحري للفيراشفال (صفيحة الحصان) على مشارف أمواج الأطلسي العجيبة.. تلك الأمواج المتلألئة والمرتجفة والمتعبة التي تأتي هاربة من بطش الغول الرأسمالي الأمريكي المرعب على الضفة الأخرى النائية لترتمي في شوق ودعة وحنان على الشاطئ الإفريقي الذهبي الدافئ.. وتلمسه بلطف وجلال، وتتمدد على صدره في رفق ودلال متسربة إلى مسام كل ذرة رمل حارة من جسده المتعطش اللامع والمصقول.
في ذلك الشاطئ الذهبي ومع فيروز أمواجه الزرقاءِ كانت تنام أيضا الأحلامُ الصيفيةُ القرمزية لتلاميذ لاميسيون، وضمنهم صبية قسم الأولى9، أبطال هذه القصة.. لكن هيهات ! ما أبعد ذلك الحلم الآن ! فلم يحن بعد أوان ركوب البحر، ولم تعد بعد طيور السنونو لتبني أعشاشها فوق رؤوس التلاميذ، وتفتنهم بسقسقاتها العذبة وهي تختبئ بين الأوراق الخضراء لأشجار التوت. ولم يهُبَّ بعد النسيم الساحلي المنعش تحت أشعة شمس مايو البنفسجية. وما أبعد ذلك الشاطئ الذهبي الآن في شهر أكتوبر الكئيب ! شهر العرق وطنين ذباب الخريف المزعج نهارا، والبرد القارس ليلا. ليت الفاصل بينهم وبينه مسافة مكانية فقط، بل مسافة زمنية طويلة جدا وقاسية على القلب.. المكان.. يمكن أن نَعْبُرَه. لكن الزمن.. ذلك المسافر القديم الخفي بلحظته السريعة كورقة اللعب في كُمّ ساحر، هو من يَعبُرنا تاركا على الطين اليابس لوجوهنا آثار خمش لياليه، وعلى فحم شعرنا زغبَ أيامه الأبيض المتطاير.. فليس بين صبية قسم الأولى9 وبين شاطئ الأحلام الذهبي الآن تلك المسافة التي تحددها علامة المرور على الطريق الساحلي في 45 كيلومتر فقط، بل تفصلهم عنه سنة دراسية كاملة، وخلالها درس طويل وعسير في التاريخ القديم، وآخر في حب الوطن، ثم حكاية فطور بالشاي المنعنع والإسفنج الطازج. فإليكم هذه الحكاية…(يتبع)
