الحزب السياسي ” أيديولجية انتخابية وانفتاح منغلق” (1-2)

الوطن 24/ بقلم: د. خالد شخمان

رغم أن مصطلح الحزب يحيل على القسم والجزء كما نستشف من معاني اللغتين الانجليزية Party والفرنسية Parti، فإن انتظام هذا الجزء والقسم في هيئة ما، قصد الوصول إلى الحكم وامتلاك أدوات السلطة، يفرض على هذه الأحزاب – لكي تجسد القيادة الطلائعية الشاملة على باقي التيارات السياسية داخل المجتمع – التوجه إلى أغلب الشرائح والطبقات والأجيال داخل المجتمع من طلبة وأساتذة ومحامين ومتقاعدين ومهنيين وأرباب عمل وموظفين وشباب ونساء وغيرهم.

وواضح ما لهذه العملية التوفيقية من منطق تلفيقي يناقض بين مطمح الجمع بين الرغبة في القيادة الشاملة وبين التعبير عن الاحتياجات الخاصة لفئات وشرائح معينة داخل المجتمع.  فانفتاح الحزب السياسي على هذه الفئات يصادمه –بشكل طبيعي- مع مصالحها المتناقضة والمتباعدة: فحيث تجد كل فئة في مصالح غيرها انتقاصا من مصالحها، فإن كل فرد منها يحاول الاستئثار بالمكاسب التي يحققها ضدا على مكاسب الآخرين.  وبهذا يثور التنافس والصراع داخل الحزب السياسي بالشكل الذي يحول دونه واستكمال النظر في مشروعه الجمعي المرتبط بالقيادة الشاملة.  ناهيك باستكانته ورضوخه لأهل النفوذ داخل هذه الطبقات والفئات، فهم الممتلكون لمقومات القوة التي تجعلهم يطوعون القوانين لصالحهم ويلبسون   هذه المصالح لبوس المصلحة العامة..  وهكذا وتحت ضغط الضرورة الانتخابية يداري قادة الحزب السياسي تَمَلُّك أصحاب النفوذ داخله –أيَّ نفوذٍ- لقراره الحزبي التنظيمي والسياسي، بتمويه لغوي مستنِد على الإعلاء من شعارات الانفتاح والتفتح، ومصلحة الحزب والمصلحة العامة.  فالأصل في كل خطاب عام يعبر عن “حركية مجتمعية معينة ” تنشد قيادة المجتمع، أن يستنجد- كما يرى فيليب برو في كتابه “علم الاجتماع السياسي” -بلغة جامدة جامعة تعبر عن مذهبه “الحازم”.

وإذا كانت الضرورة الانتخابية تفرض على الحزب السياسي انفتاحا اضطراريا على جل فئات المجتمع، فإنه يكون ملزما أولا، بتدبير التنافس والاختلاف من عمق بنيانه التنظيمي الداخلي، قبل الانتقال إلى التنافس الخارجي الذي يقصد من ورائه استيعاب المجتمع والتعبير عن كافة مكوناته. فحيث أن التنافس الداخلي يتبلور على شكل تجاذبات في “الآراء” والمواقف والتنبؤات والتوقعات والتموقعات.. فإنه يُفْقد الحزب السياسي المقدرة على الاستعصام بطموحه المتمثل في تحقيق التمثيلية الجامعة والقيادة الشاملة: وهو طموح تتنكر له جل مكونات الحزب السياسي -حين تجعل من الوصول إلى السلطة عبر عدِّ الأصوات لا عبر وضعها في ميزان القيم والأخلاق -غاية غاياتها وأصل وجودها.  وفي خضم هذا الطريق الشاق من التعبئات والاصطفافات المتعبّدة للسلطة والسلطان، يفقد الحزب السياسي وحدته الفكرية التي يعول عليها لكي تعصم بنيانه الداخلي من الانهيار أمام هول وضراوة صراعات المواقع والمناصب.

ولكي يضبط قادة الحزب هذه الفلتات يتولى البعض منهم -كما يرى فيليب برو -تنشئة “مناضلين مدربين في الصراعات الطبقية ومنضبطين انضباطا تاما ” لتسهيل تنحية منافسيهم خاصة إذا ما حيزت لهم أدوات السلطة والحكم..

وإذ ينتقل منطق الصراع من خارج الأحزاب السياسية إلى بنيتها التنظيمية متغذيا بضرورة امتلاك السلطة وحيازة مقوماتها ووسائلها. فإن هذه البنية تصير هشة مهترئة قبيل المؤتمرات وفي أوان الانتخابات، حين تتوهج بداخلها شرارات التنافس والصراعات فيتم خلق الولاءات والتيارات والشبكات وتقاسم الأدوار من أجل الوصول إلى القيادة والسلطة داخل هذه التنظيمات، ويغدو الوافدون الجدد محط توجس من الجميع: فإلى أي جهة أو مرشح سيميلون؟؟  وهو ما يؤدي إلى احتدام الاستقطابات والانقلابات والانشقاقات؛ وبذلك ترتبك البنية الداخلية للحزب السياسي وتَفتقد قياداته التأثير على القرارات التنظيمية الداخلية، سانحة المجال لتنامى مجالات الشك والريبة Zones D’incertitude..

 (للتوسع رِ في هذا الصدد: 

Vincent Desmeuliers, Démocratie et partis politique l’exemple du parti socialiste, Dans Revue du MAUSS 2005/1 (no 25), pages 287 à 304 (www.cairn Infos). وأيضا: حامد ربيع، محاضرات في النظرية السياسية، م.س، ص56 فما بعدها)

وضمن هذا المقام الملتبس الذي تغيب فيه الوحدة الفكرية الضابطة ويقدس فيه الوصول إلى السلطة تنقلب القيادات الحزبية المركزية على مثالها الديمقراطي وأدواتها الاقتراعية القِيمِيَّة لتلجم كل محاولات الخروج عن سلطتها، فلا يهمها أن ينهل هذا الانقلاب من مشكاة أكثر الأفكار جمودا ولا أن تعادي قراراتها المركزية الأسس  الديمقراطية التي بنوا صرح حزبهم على مقتضياتها : ومن ذلك مثلا أنه لا يسمح لأعضاء هذه الأحزاب –إلا في حالات استثنائية– الاختيار النهائي للمرشحين، إذ تُبسط أمام “القيادة المركزية” أقوى السبل لتغيير الترتيبات وتثبيت المرشحين، أو “حق التأثير على هذه الترشيحات” ب “تقريرها” في النهاية. وهو أمر لا تنجو منه حتى الأحزاب القوية تنظيميا التي وإن تخلت عن هذه الرقابة المركزية واقعيا فإنها تُفَعِّلها برقابة أخرى قانونية ونظامية محددة سلفا. (فيليب برو، علم الاجتماع السياسي). وهو أمر يتضح حين تغلق الأحزاب السياسية مقراتها في وجه غير المنخرطين والمنتسبين لها، لتجعل من انفتاحها انفتاحا ضيقا حرجا مغلقا/منغلقا، لا ينحصر، وحسب، في منع عموم الناس من مشاركتهم العملية الاجتهادية والاختيارية، بل إنه انفتاح لا يتحقق إلا بوضع الحواجز القانونية المسطرية والدرجات والرتب “التمثيلية” لمنع التحاور العمودي بين قادتها وقواعدها عدا ما كان منه شكليا تأثيثيا.

فالمقصد الانتخابي للحزب السياسي يقتاد الأداة الحزبية -بوعي أو بغيره- إلى التعبد ليس وحسب إلى أصوات الناس أيام الاقتراعات بل إلى أصوات أعضائه ومنخرطيه زمن المؤتمرات. حيث تصير هذه المؤتمرات بمثابة حياة الحزب وغايته ترفع من تشاء وتذل من تشاء، يسبقها انفتاح تائه على الكم من أجل تضخيم العدد الإجمالي للمنخرطين والمصوتين دون مراعاة للكيف داخل هذا البنيان.  وبكل تأكيد أن هذا التعبد للأصوات في بعدها الكمي يستضمر- كما يرى المرحوم حامد ربيع في محاضراته السياسية -استلهاما لروح التصور الديمقراطي –كما صاغته الثورة الفرنسية– بوصفه تصورا يعلي من “إٍرادة الأغلبية” ومن كمِّ أصواتها للحسم في كل الخلافات والاختيارات. فالثورة الفرنسية حين أرست تقاليدها على التداخل بين الكَمِّ والكيف بجعلهما مترادفين ومعبرين عن بعضهما البعض، فإنها أحلت “الإرادة القومية” في إرادة الجماعة/ الدولة، من خلال “إٍرادة الأغلبية” العددية دون سؤال عمن يجسد هذه الأغلبية..

[]

وسواء الْتفَّتْ هذه الأحزاب حول زعيم أوحد أو مصلحة اقتصادية أو حول عموم المواطنين فإن ارتباطها الوثيق بالسلطة والحكم يجعلها تدور على أقسام وأنواع متعددة نستأنس فيها بالتقسيم الذي أقامه الكاتبان الإيطالي جيوفاني سارتوري Giovanni Sartori، والفرنسي موريس دو فيرجي Maurice Duverger عن الأحزاب السياسية: (للتوسع في ذلك رِ:

Les partis politiques : origines, types et fonctions (https://le–politiste.com) vu le 17–04–2020

 وأيضا: موريس دو فرجيه، الأحزاب السياسية، ترجمة علي مقلد عبد المحسن سعد ص23

 أولا: رد سارتوري في كتابه المعنون بـ “الأحزاب ونظام الحزب” “Parties and party system” الأحزاب السياسية إلى أربعة أصناف: أ – أحزاب الزمالة: التي شكلت الصورة الأولى لتشكل النظام البرلماني وهي أحزاب تلتف حول قائد ما، من أجل مصالح شخصية محددة أو من أجل تحقيق طموحات انتخابية.  بـ – الأحزاب البرلمانية: تحاول هذه الأحزاب بناء استراتيجياتها وفق متطلبات الرهان البرلماني من توافقات وتنازلات، لأن محور اشتغالها هو ضبط اشتغال البرلمان ومحاولة حيازة الأغلبية داخله. ت – الأحزاب الانتخابية البرلمانية: هي أحزاب تتمدد تنظيميا من المركز إلى الوحدات المحلية استجابة لضرورة التوسع في “حق الاقتراع”.  ث – أحزاب العامة أو الجماهير: تتوجه هذه الأحزاب إلى عموم الناس أكثر من ارتباطها بالتدابير البرلمانية لأن نشأتها تُرَد إلى احتياجات الطبقة المنشئة لها كمثل الأحزاب العمالية أو الأحزاب البيئية.

ثانيا: أما مُنَظِّر الأحزاب السياسية موريس دو فيرجي Maurice Duverger فقد اكتفى في مؤلفه “الأحزاب السياسية” بتقسيم الأحزاب بحسب نشأتها إلى نوعين اثنين:

أ – أحزاب الأطر: Les Partis De Cadres التي ترتبط نشأتها بامتيازات البرلمان وحق الاقتراع حيث تشكل مجموعات برلمانية ضاغطة من داخله. وهي أحزاب مستحكَمة منافذُها ومستغلَقة من قبل فئات بورجوازية تدين للمال وللمنفعة وللانتخابات، حيث تعود السلطة الفعلية فيها “لإحدى الفئات الملتفة حول زعيم برلماني”. لهذا فإن هذا النوع من الأحزاب لا يعير كبير اهتمام للأيديولوجية، ويتغافل عن التوسع الذي قد يفرضه حق الاقتراع، مستعيضا عنه بالتأسيس لنظام إداري مركزي يدار من المقر المركزي للحزب، مهمته التوزيع الجيد للمهام داخل التنظيم. فحيث أن الانتخابات هي محور اشتغال هذا النوع من الأحزاب، فإنها تحاول ما أمكن مداراة ضعف تمثيلياتها المحلية بترشيح الأعيان من أصحاب المال والنفوذ السياسي والاجتماعي، حتى ولو لم تكن لهم الدراية الكافية بالتراتبية السياسية داخل الدولة أو لم يكن لهم الامتداد الطبيعي بين الناس.

ب – أحزاب العامة/ الجماهير:Les Partis De Masse لا ترتبط النشأة الأولى لهذه الأحزاب بالحياة البرلمانية بشكل مباشر، لكونها نشأةٌ تُسْتولد في الغالب من عمق حركة المجتمع  ومن تفاعلات قواه الحية، ولها “تنظيم دقيق للانتساب يؤهلها للتفاعل مع منتسبيها بعلاقات من التضحيات كقدرتها على تمويل ذاتها من تضحيات العوام والطبقات الشعبية المؤمنة بشعاراتها وأفكارها”. غير أنه لمّا كانت العلاقة بين هذه الأحزاب وعامة الناس لا تحوز استدامتها واستقرارها إلا في ظل منظومة السلطة وأيديولوجيتها الانتخابية، فإن محور التقرب من العامة يتحدد على فروض وواجبات الظفر بأصواتهم يوم الاقتراع، وإن كان هذا الأمر يدارى عادة بدعاوى التأطير والتعليم والتكوين. لهذا فهذه الأحزاب السياسية تجتهد وتكدُّ من أجل ضمان أكبر عدد من المنخرطين والمؤيدين، وتؤيد ذلك –لعدم حيازتها لنفس الدعم الذي تحظى به الأحزاب الأخرى– باجتراح أشكال تنظيمية متنوعة تستديم الألفة والقرب من هؤلاء المستهدفين: كإنشاء الفروع والأقاليم، وتدبير العلاقة بينها وبين المراكز بوسائلها التنظيمية الموسومة عادة بأنها “ديمقراطية”.

ومهما يكن من أصل نشأة هذه الأحزاب أمِنَ الأسفل أم من الأعلى فإن مدار اشتغالها يكون على عَدِّ الأصوات وحيازة السلطة والسلطان، وهو الأمر الذي يعطل أدوارها في التعليم والتأطير والتكوين.  ناهيك بارتباطاتها ودورانها في فَلَك القواعد الحاكمة لمنظومة السلطة في السياسة الوضعية التي ترتب المصالح على هوى قوى الضغط المتوارية خلف المؤسسات والقوانين.