إسبانيا تحيي عيدها الوطني باستعراض عسكري ضخم.. 4400 مشارك و82 طائرة في مشهد تتقاطع فيه رموز الدولة مع رهانات السياسة

الوطن24/ مدريد
احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد، اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، الاحتفالات الرسمية بالعيد الوطني الإسباني، من خلال استعراض عسكري وجوي واسع ترأسه الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا، بحضور ولية العهد الأميرة ليونور والأميرة صوفيا، إلى جانب رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وعدد من المسؤولين والشخصيات العامة.
وجاءت هذه المناسبة الوطنية محملة بأبعاد تتجاوز طابعها الاحتفالي، في ظل نقاشات سياسية واجتماعية متصاعدة بشأن مستقبل المشهد الانتخابي، وأزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن التحديات المرتبطة بتدبير ملف الهجرة، وهي قضايا تضع المؤسسات الإسبانية أمام اختبارات متواصلة في المرحلة الراهنة.
استعراض عسكري وجوي يستقطب الأنظار
وشهدت شوارع مدريد مشاركة نحو 4400 عنصر من القوات المسلحة وأجهزة الأمن ومؤسسات مدنية، من بينهم حوالي 530 امرأة، في عرض عسكري تخللته فقرات جوية واستعراضات للوحدات البرية، في إطار تقليد سنوي يراد منه إبراز مؤسسات الدولة وتكريم أفراد القوات المسلحة.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وزارة الدفاع الإسبانية، شمل العرض تحليق 82 طائرة ومروحية، إلى جانب مرور 144 مركبة و39 دراجة نارية، فضلاً عن وحدات عسكرية وأمنية مختلفة. كما شكلت القفزة المظلية التي حمل خلالها أحد أفراد القوات الجوية العلم الإسباني، والتحليق الجوي فوق العاصمة، من أبرز لحظات الاحتفال.
وحضر الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا، مرفوقين بولية العهد الأميرة ليونور والأميرة صوفيا، المراسم التي تضمنت تكريم العلم الوطني واستحضار ذكرى الذين فقدوا حياتهم في خدمة إسبانيا، قبل انطلاق الاستعراض في وسط العاصمة.
وتكتسي المشاركة العسكرية أهمية إضافية بالنظر إلى استمرار انخراط إسبانيا في مهام دولية؛ إذ تشير وزارة الدفاع إلى انتشار نحو ثلاثة آلاف عسكري إسباني في عمليات خارج البلاد بأربع قارات، تحت أعلام حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
احتفال وطني في سياق سياسي واجتماعي حساس
لا تنفصل رمزية العيد الوطني الإسباني عن السياق السياسي الذي تعيشه البلاد، حيث تتواصل النقاشات بشأن أولويات الحكومة والسياسات الاجتماعية، في وقت يحتل فيه السكن وغلاء المعيشة والهجرة موقعاً بارزاً في النقاش العام.
وتمنح هذه الملفات احتفالات 12 أكتوبر بعداً يتجاوز المراسم الرسمية؛ فبينما تسعى المؤسسات إلى إبراز الوحدة الوطنية واستمرارية الدولة، تظل القضايا اليومية للمواطنين حاضرة في تقييم السياسات العمومية وفي النقاش حول الخيارات المطروحة للمرحلة المقبلة.
كما يثير ملف الهجرة اهتماماً خاصاً في المدن والمناطق الحدودية، وفي مقدمتها سبتة، التي تحظى بموقع حساس في العلاقات الإسبانية المغربية. وتكتسب الزيارات الملكية والأنشطة الرسمية في هذه المناطق أهمية سياسية ورمزية، بالنظر إلى ارتباطها بقضايا الحدود والتعاون الأمني وإدارة تدفقات الهجرة.
وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى قدرة المؤسسات الإسبانية على الجمع بين الحفاظ على الاستقرار السياسي والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، خصوصاً في الملفات التي تمس مباشرة القدرة الشرائية للأسر وفرص الحصول على السكن والخدمات الأساسية.
12 أكتوبر.. تاريخ تتداخل فيه الذاكرة الوطنية مع الإرث التاريخي
ويرتبط اختيار 12 أكتوبر بعيداً وطنياً في إسبانيا بوصول كريستوفر كولومبوس إلى الأمريكتين سنة 1492، وهو الحدث الذي دشّن مرحلة تاريخية واسعة من الامتداد الإسباني خارج أوروبا.
وقد أُقر الاحتفال رسمياً سنة 1918، فيما ينظمه القانون الإسباني رقم 18/1987 الصادر في 7 أكتوبر، باعتباره مناسبة لاستحضار التاريخ المشترك والوحدة الوطنية والروابط الثقافية واللغوية التي تجمع إسبانيا بدول عديدة، ولا سيما في أمريكا اللاتينية.
غير أن هذه الذكرى لا تحظى بالتفسير نفسه في جميع المجتمعات؛ فإلى جانب بعدها الوطني في إسبانيا، يرتبط تاريخها أيضاً بالنقاش حول الاستعمار الأوروبي وتداعياته على الشعوب الأصلية في الأمريكتين. وهو ما يجعل 12 أكتوبر مناسبة تتقاطع فيها الذاكرة التاريخية مع اختلاف وجهات النظر بشأن إرث الماضي.
بين رمزية الدولة وانتظارات المجتمع
ومع انتهاء الاستعراض العسكري، تتواصل الفعاليات الرسمية باستقبال تقليدي في القصر الملكي بمدريد، يجمع أفراد العائلة المالكة ومسؤولين حكوميين وشخصيات عامة، في محطة تؤكد الطابع المؤسساتي للمناسبة.
وبين العلم الوطني والتحليق الجوي والحضور الملكي، تقدم إسبانيا عيدها الوطني باعتباره موعداً للاحتفاء بتاريخ البلاد ومؤسساتها، لكن دلالات هذه المناسبة تظل مرتبطة أيضاً بالسياق الذي تعيشه الدولة والمجتمع.
فالتحدي لا يتعلق فقط بتنظيم احتفال وطني واسع، بل كذلك بقدرة المؤسسات على تحويل رمزية الوحدة إلى استجابات عملية للانشغالات الاجتماعية والسياسية، في مرحلة تتزايد فيها أهمية ملفات السكن والمعيشة والهجرة ضمن النقاش العام الإسباني.
