البكالوريا في المغرب 2026.. هل انتصرت محاربة الغش أم تراجعت الثقة في التلميذ؟

لا يختلف اثنان حول خطورة ظاهرة الغش في الامتحانات الإشهادية، ولا حول ضرورة حماية مصداقية شهادة البكالوريا باعتبارها محطة مفصلية في المسار الدراسي لآلاف التلاميذ المغاربة. لكن الجدل الذي رافق امتحانات دورة يونيو 2026 لم يكن مرتبطاً هذه المرة بالمواضيع أو نسب النجاح، بل بالكيفية التي جرى بها تدبير معركة مكافحة الغش داخل بعض مراكز الامتحان.

فمع انتشار صور ومقاطع فيديو توثق لإجراءات تفتيش ومراقبة مشددة، عاد إلى الواجهة سؤال قديم ومتجدد في الآن نفسه: كيف يمكن حماية نزاهة الامتحانات دون المساس بكرامة التلاميذ وحقوقهم الأساسية؟

السؤال ليس موجهاً ضد محاربة الغش، بل على العكس تماماً. فكل مجتمع يسعى إلى ترسيخ قيم الاستحقاق والعدالة مطالب بمواجهة كل أشكال التحايل والتزوير. غير أن الوسائل المعتمدة لتحقيق هذا الهدف تظل بدورها خاضعة للنقاش والتقييم، خاصة عندما يتعلق الأمر بآلاف المترشحين الذين يدخلون مراكز الامتحان تحت ضغط نفسي كبير، ويجدون أنفسهم في مواجهة إجراءات استثنائية تفرضها هواجس التأمين والمراقبة.

ما أثار الانتباه خلال هذه الدورة هو شعور متنامٍ لدى جزء من الرأي العام بأن التلميذ أصبح يدخل إلى قاعة الامتحان محاطاً بمنطق الشك أكثر من منطق الثقة. وبينما ترى الجهات المسؤولة أن التشدد في المراقبة أصبح ضرورة تفرضها الأساليب المتطورة للغش الإلكتروني، يتساءل آخرون عما إذا كانت هذه المقاربة كافية لمعالجة الظاهرة أو أنها تكتفي بمواجهة نتائج أزمة أعمق داخل المنظومة التعليمية.

فالمدرسة ليست فضاءً للمراقبة فقط، بل مؤسسة للتربية وبناء الشخصية وترسيخ قيم المسؤولية. وعندما يطغى البعد الأمني على البعد التربوي، يصبح من المشروع التساؤل حول طبيعة الرسائل التي يتلقاها التلميذ من مؤسسته التعليمية.

هل نُربي جيلاً يؤمن بالنزاهة لأنه اقتنع بقيمتها، أم لأنه يخشى العقاب والمراقبة؟

وهل يمكن بناء علاقة صحية بين المدرسة والمتعلم إذا كان الشعور السائد هو أن الجميع موضع اشتباه إلى أن يثبت العكس؟

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن محاربة الغش نفسها، لأنها ترتبط بجوهر العملية التعليمية وبطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع بين المؤسسة والتلميذ.

كما أعاد الجدل الدائر تسليط الضوء على قضايا أخرى لا تقل حساسية، من بينها الحق في الخصوصية وحماية صورة القاصرين، خاصة مع تداول محتويات رقمية مرتبطة بأجواء الامتحانات على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهي قضايا تفرض بدورها نقاشاً هادئاً ومسؤولاً يوازن بين حق المجتمع في المعلومة وحق الأطفال والتلاميذ في الحماية القانونية والأخلاقية.

وفي خضم هذا النقاش، يبرز سؤال آخر لا يقل إحراجاً: إذا كانت الجهود المبذولة لمحاربة الغش تتعاظم سنة بعد أخرى، فلماذا لا يزال هذا الملف يفرض نفسه بقوة في كل موسم امتحاني؟ وهل تكفي إجراءات المراقبة وحدها للقضاء على الظاهرة، أم أن الأمر يتطلب معالجة أعمق لجذور المشكلة المرتبطة بمنظومة القيم وجودة التعلمات ومستوى الثقة في المدرسة العمومية؟

إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في منع حالات الغش، بل في بناء بيئة تعليمية تجعل الغش سلوكاً مرفوضاً من طرف التلميذ نفسه قبل أن ترفضه الإدارة أو القانون. فكلما نجحت المدرسة في ترسيخ ثقافة الاستحقاق، تراجعت الحاجة إلى مزيد من الإجراءات الاستثنائية.

اليوم، تبدو المنظومة التعليمية المغربية أمام اختبار مزدوج: حماية نزاهة الامتحانات من جهة، وصون كرامة التلاميذ وحقوقهم من جهة أخرى. والنجاح في هذا الاختبار لن يقاس بعدد المحاضر المحررة أو الأجهزة المحجوزة، بل بمدى قدرة المدرسة على الحفاظ على التوازن بين الحزم والثقة، وبين المراقبة والاحترام.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل انتصرت محاربة الغش فعلاً، أم أن الثمن كان تراجعاً في منسوب الثقة بين المدرسة وتلاميذها؟

ذلك هو النقاش الذي ينبغي أن يستمر، بعيداً عن الانفعال، وبما يخدم مصلحة المدرسة المغربية ومستقبل أجيالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *