العدالة الاجتماعية تبدأ من الميزانية: لماذا تغيب المالية العامة عن البرامج الحزبية؟

          يثير النقاش السياسي في المغرب، خصوصا خلال المحطات الانتخابية، كما كبيرا من الوعود المتعلقة بالتعليم والصحة والتشغيل والسكن والحماية الاجتماعية. وتتنافس الأحزاب السياسية في تقديم تصورات مختلفة لتحسين أوضاع المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. غير أن جانبا أساسيا من هذا النقاش يظل غائبا أو يحضر بشكل محتشم، ويتمثل في قضايا المالية العامة والعدالة الضريبية.

وتعيد هذه الملاحظة إلى الواجهة إحدى الخلاصات التي سبق أن توصلنا إليها في دراسة حول “البعد المالي في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية”[1]، ومفادها أن النقاش الحزبي في المغرب غالبا ما ينشغل بما ينبغي تحقيقه أكثر مما ينشغل بكيفية تمويله. فمعظم البرامج الانتخابية تتوسع في عرض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المراد بلوغها، لكنها تخصص حيزا محدودا للأسئلة المرتبطة بتعبئة الموارد العمومية والاختيارات الضريبية والميزانياتية القادرة على ضمان استدامة تلك الالتزامات.

فإذا كانت البرامج الحزبية تتحدث بإسهاب عن ما يجب إنفاقه، فإنها نادرا ما تتحدث بالقدر نفسه عن كيفية تعبئة الموارد الضرورية لذلك الإنفاق. والحال أن السؤال المالي ليس سؤالا تقنيا ثانويا، بل هو سؤال سياسي بامتياز. فمن يؤدي الضريبة؟ ومن يستفيد من الإنفاق العمومي؟ وكيف يتم توزيع الأعباء والموارد بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية؟ تلك أسئلة تقع في صميم أي مشروع مجتمعي يسعى إلى تحقيق العدالة والإنصاف.

لقد ارتبطت نشأة الديمقراطيات الحديثة تاريخيا بالنضال من أجل مراقبة المال العام. فالبرلمانات الأوروبية لم تنتزع مكانتها السياسية إلا عبر المطالبة بحق الموافقة على الضريبة ومراقبة الإنفاق العمومي. لذلك لم تكن المالية العامة مجرد تقنية محاسبية، بل كانت دائما أحد أهم مجالات الصراع الديمقراطي وتحديد موازين القوى داخل المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يصعب الحديث عن العدالة الاجتماعية بمعزل عن العدالة الضريبية. فالسياسات الاجتماعية لا تتحقق بالشعارات أو بحسن النوايا، وإنما تحتاج إلى موارد مالية مستدامة وإلى نظام جبائي يوزع الأعباء بشكل منصف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. كما أن تقليص الفوارق المجالية لا يمكن أن يتم دون سياسات مالية واضحة تضمن توزيعا أكثر توازنا للاستثمارات العمومية والخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، جاء اطلاعي على محاور برنامج تحالف اليسار ليؤكد استمرار هذه الملاحظة. فرغم أهمية المحاور الواردة فيه في مجالات الحقوق الاجتماعية والخدمات العمومية والتنمية المجالية والبيئة والحريات، فإن قضايا المالية العامة والعدالة الضريبية لم تحظ بالحضور الذي تستحقه باعتبارها المدخل العملي لتحقيق تلك الأهداف. فالدفاع عن المدرسة العمومية أو عن تعميم الحماية الاجتماعية أو عن تقليص الفوارق المجالية يظل مرتبطا بالضرورة بالإجابة عن سؤال التمويل، وتحديد الكيفية التي ستتم بها تعبئة الموارد وتوزيع الأعباء المالية بين مختلف الفاعلين.

ولا يتعلق الأمر هنا ببرنامج سياسي بعينه، بل بإشكالية أوسع تهم جزءا مهما من الخطاب الحزبي المغربي. فالحديث عن العدالة الاجتماعية يظل ناقصا إذا لم يقترن بنقاش صريح حول العدالة الضريبية، كما أن الدعوة إلى تعزيز الخدمات العمومية تظل غير مكتملة ما لم تدعم بتصور واضح حول مصادر التمويل والاختيارات المالية الكفيلة بضمان استدامتها.

إن النقاش العمومي حول النموذج التنموي والدولة الاجتماعية يظل ناقصا ما لم يرفق بنقاش مواز حول الإصلاح الضريبي، ومحاربة الامتيازات الجبائية غير المبررة، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتحقيق قدر أكبر من المساهمة التضامنية بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. فكل سياسة عمومية تحمل في طياتها اختيارا ماليا، وكل اختيار مالي يعكس بدوره تصورا معينا للعدالة الاجتماعية.

فالميزانية ليست مجرد وثيقة تقنية تعدها وزارة الاقتصاد والمالية، بل هي التعبير الأكثر وضوحا عن الاختيارات السياسية للدولة. فمن خلالها يتم تحديد الأولويات، وتوزيع الموارد، وتحديد المستفيدين من الإنفاق العمومي، والفئات التي تتحمل العبء الضريبي. ولذلك يمكن القول إن الميزانية هي في جوهرها آلية لتوزيع الفرص داخل المجتمع.

إن الحاجة اليوم أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار للثقافة المالية داخل العمل الحزبي والسياسي، وجعل قضايا المالية العامة والعدالة الضريبية جزءا أساسيا من النقاش العمومي. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ما الذي تعده به الأحزاب، بل يحتاج أيضا إلى معرفة كيف ستقوم بتمويل تلك الوعود، ومن سيتحمل تكلفتها، وما هي آثارها على العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية.

إن النقاش الذي أثاره برنامج تحالف اليسار، وما أكدته قبل ذلك نتائج البحث حول البعد المالي في البرامج الانتخابية، يطرح سؤالا أساسيا على مختلف الفاعلين السياسيين: هل يكفي الدفاع عن العدالة الاجتماعية دون تقديم تصور واضح للعدالة الضريبية؟ وهل يمكن بناء دولة اجتماعية قوية دون مشروع متكامل لإصلاح المالية العامة؟

إن مستقبل النقاش الديمقراطي في المغرب يقتضي الانتقال من مناقشة الوعود الاجتماعية فقط إلى مناقشة شروط تمويلها وآليات توزيع أعبائها بشكل عادل وشفاف. فالطريق إلى العدالة الاجتماعية يمر أولا عبر العدالة الضريبية، والطريق إلى الدولة الاجتماعية يمر عبر مالية عامة ديمقراطية وشفافة وعادلة. وعندما تغيب المالية العامة عن البرامج الحزبية، فإن جزءا مهما من النقاش الديمقراطي يغيب معها، لأن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا نريد أن نفعل، بل أيضا كيف سنمول ما نريد فعله.


[1]  شملت الدراسة تحليل البرامج الانتخابية لخمسة أحزاب سياسية شاركت في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وهي: حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب العدالة والتنمية. وقد تم اختيار هذه الأحزاب بالنظر إلى تمثيليتها السياسية وتنوع مرجعياتها الإيديولوجية، بهدف رصد الكيفية التي تتصور بها مختلف التيارات الحزبية قضايا المالية العامة والجباية والإنفاق العمومي، ومدى حضور البعد المالي في تعاقداتها الانتخابية مع المواطنين.

للاستزادة يراجع: – المهدي سهيمي، “البعد المالي في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية”، المجلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 1، العدد 20 (شتنبر 2025): 29-39.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *