المغرب.. 280 مليار درهم تحت مجهر البرلمان.. يونس ملال يطالب بلجنة لتقصي الحقائق ويحذر من تضارب السياسة والمال

أعاد المستشار البرلماني يونس ملال ملف تدبير المال العام إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب، بعدما طالب بإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن مبلغ 280 مليار درهم المرتبط ببرامج الدعم العمومي ودعم القدرة الشرائية خلال الولاية الحكومية السابقة، داعياً إلى الكشف عن أوجه صرف هذه الأموال ومدى انعكاسها على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وجاءت هذه المطالبة، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، خلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، حيث وجّه ملال انتقادات قوية إلى طريقة تدبير المال العام، معتبراً أن حماية أموال المغاربة تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم الاكتفاء بالإعلانات السياسية والوعود الحكومية.

في مداخلته التي أثارت الانتباه، شدد المستشار البرلماني عن الفريق الحركي على ضرورة إخضاع المبالغ المعنية لتدقيق مؤسساتي جدي، يحدد الجهات المستفيدة، وطبيعة البرامج التي وُجهت إليها الاعتمادات المالية، والنتائج المحققة على أرض الواقع.

ويعيد هذا المطلب إلى الواجهة سؤالاً أساسياً في النقاش العمومي المغربي: إلى أي حد نجحت برامج الدعم العمومي في تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما في ظل استمرار انشغال الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية؟

غير أن المطالبة بالتحقيق لا تعني، في حد ذاتها، ثبوت اختلاس الأموال أو تبديدها؛ إذ يظل تحديد المسؤوليات رهيناً بالوثائق المالية والتدقيق والمراقبة، وما قد تسفر عنه التحقيقات المختصة.

لم يقتصر خطاب ملال على المطالبة بتقصي مصير الاعتمادات المالية، بل امتد إلى العلاقة بين المسؤولية السياسية والمصالح التجارية، حيث أثار مسألة ممارسة بعض المسؤولين أنشطة اقتصادية قد تطرح تساؤلات بشأن تضارب المصالح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقات تجارية مع الدولة.

وتساءل المستشار البرلماني عن مدى اتساق تشديد الرقابة على تدبير الجماعات الترابية مع ضرورة إخضاع مختلف مستويات المسؤولية العمومية للمعايير نفسها من الشفافية والمساءلة.

وفي هذا السياق، دعا إلى عدم التعامل مع حماية المال العام بمنطق الانتقائية، مؤكداً أن النزاهة يجب أن تكون قاعدة عامة تشمل المنتخبين والمسؤولين الحكوميين وكل من يتولى تدبير موارد عمومية.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن تضارب المصالح، متى ثبت وفق المساطر القانونية، يمكن أن يقوض الثقة في المؤسسات ويثير تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص ونزاهة القرارات المرتبطة بالصفقات والإنفاق العمومي.

إن إحداث لجنة لتقصي الحقائق، إذا استوفى الشروط والمساطر القانونية المعمول بها، من شأنه أن يفتح المجال أمام فحص أوسع للمعطيات المرتبطة بالملف، وتحديد أوجه صرف الأموال والوقوف على مدى احترام القواعد المنظمة للإنفاق العمومي.

ولا يتعلق الأمر فقط بمعرفة الأرقام الواردة في التقارير والبرامج الحكومية، بل أيضاً بتقييم الأثر الفعلي للإنفاق على المواطنين، وتحديد ما إذا كانت الموارد المرصودة قد حققت الأهداف المعلنة، أم أن هناك اختلالات تستوجب المعالجة والمساءلة.

وفي حال ثبوت وجود مخالفات أو استيلاء غير مشروع على المال العام، فإن ترتيب المسؤوليات واسترجاع الأموال، وفقاً للقانون والأحكام والقرارات المختصة، يظلان من أبرز المطالب التي يثيرها هذا النقاش.

يتجاوز الجدل بشأن مبلغ 280 مليار درهم حدود السجال بين الأغلبية والمعارضة، ليطرح قضية ترتبط مباشرة بثقة المواطنين في المؤسسات وقدرتها على ضمان الاستخدام الفعّال والعادل للموارد العمومية.

فالمواطن الذي ينتظر أثراً ملموساً للدعم الحكومي على قدرته الشرائية، من حقه أن يعرف طبيعة البرامج التي استفادت من الأموال العامة، والنتائج التي حققتها، والجهات التي تتحمل المسؤولية عند ثبوت أي إخلال.

وفي المقابل، تظل الشفافية الحقيقية قائمة على نشر المعطيات الدقيقة، والتمييز بين ضعف النجاعة وسوء التدبير والمخالفات الجنائية، بعيداً عن إطلاق الأحكام المسبقة أو تحويل الاتهامات السياسية إلى إدانات نهائية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في المغرب: هل يتحول مطلب التحقيق في 280 مليار درهم إلى مسار مؤسساتي يكشف حقيقة أوجه صرف هذه الأموال ويحدد المسؤوليات، أم سيظل الملف موضوع سجال سياسي دون إجابات واضحة للرأي العام؟

الإجابة لن تكون بالشعارات وحدها، بل بما ستكشفه الوثائق، وما ستثبته آليات الرقابة، ومدى استعداد المؤسسات المعنية لوضع تدبير المال العام تحت مجهر المحاسبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *