المغـرب: تجريم الإثراء غير المشروع بين تعهد المنصوري وغياب التنصيص في البرنامج الحكومي.. ما موقف وهبي؟

يطرح غياب التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع من النسخة المكتوبة للبرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026-2031، وفق ما أوردته تقارير صحفية، تساؤلات بشأن مدى انسجام التعهدات السياسية المعلنة مع الالتزامات التي تتضمنها الوثيقة الرسمية المؤطرة لعمل الحكومة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويأتي هذا النقاش بعدما أعلنت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، التوجه نحو تعزيز منظومة النزاهة ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، في سياق الحديث عن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.

وبين التصريح العلني والصياغة المكتوبة، يبرز سؤال جوهري: هل ستعمل الحكومة على إعداد تشريع واضح لتجريم الإثراء غير المشروع، أم أن هذا الملف سيظل رهين نقاشات قانونية وسياسية لم يُحسم مسارها بعد؟

تُعد محاربة الفساد وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة من الملفات التي تحظى باهتمام واسع في النقاش العمومي المغربي، بالنظر إلى ارتباطها بثقة المواطنين في المؤسسات وبمدى فعالية آليات مراقبة المال العام ومساءلة المسؤولين.

وفي هذا السياق، أثار غياب التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع من النسخة المكتوبة للبرنامج الحكومي، بحسب ما أوردته تقارير صحفية مغربية، تساؤلات بشأن مصير هذا التوجه الذي ورد في الخطاب المقدم أمام البرلمان.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن البرنامج يتضمن إجراءات أخرى مرتبطة بمحاربة الفساد، من بينها مراجعة بعض المقتضيات القانونية المتعلقة بالرشوة وتضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وحماية المبلغين عن الفساد.

غير أن وجود هذه التدابير لا يحسم، في حد ذاته، مسألة اعتماد نص قانوني خاص بتجريم الإثراء غير المشروع، ولا يوضح ما إذا كانت الحكومة تعتزم تقديم مشروع جديد في هذا الشأن أو مراجعة الصيغ التشريعية السابقة.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين إعلان توجه سياسي عام والالتزام بمسار تشريعي محدد؛ فوضوح البرنامج الحكومي يتيح للبرلمان والرأي العام متابعة التعهدات ومساءلة الحكومة بشأن تنفيذها.

يعود اسم وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى النقاش بالنظر إلى مواقفه السابقة من مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، الذي كان ضمن مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي.

وكان المشروع قد دخل المسار التشريعي خلال الولاية الحكومية السابقة، قبل سحبه في نونبر 2021. وأثار هذا الملف آنذاك نقاشاً بشأن الصيغة القانونية الملائمة لمكافحة الإثراء غير المشروع، وحدود التوفيق بين متطلبات مكافحة الفساد وضمانات المحاكمة العادلة.

ومن بين الإشكالات التي طُرحت في هذا السياق قرينة البراءة، وعبء الإثبات، وضمان عدم استغلال الشكايات الكيدية، وهي اعتبارات قانونية تقتضي نقاشاً دقيقاً عند إعداد أي نص تشريعي جديد.

وتكتسب هذه الخلفية أهمية في المرحلة الحالية، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به وزارة العدل في إعداد ومواكبة الإصلاحات التشريعية المرتبطة بالقانون الجنائي.

لكن المواقف السابقة لوهبي لا تكفي، بمفردها، للقول إنه مسؤول عن غياب التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع من البرنامج الحكومي الحالي، كما لا تتوافر في المعطيات المعروضة أدلة موثقة تثبت أنه مارس ضغوطاً للتأثير في صياغة الوثيقة النهائية.

وعليه، فإن السؤال المطروح يظل سياسياً وتشريعياً بالدرجة الأولى: ما موقف وزير العدل من إمكانية إعداد صيغة جديدة لتجريم الإثراء غير المشروع؟ وهل ستتجه الحكومة إلى معالجة التحفظات القانونية السابقة عبر مشروع متكامل يضمن مكافحة الفساد واحترام الحقوق والحريات؟

إن غياب التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع من البرنامج الحكومي المكتوب لا يعني بالضرورة أن الحكومة تخلت نهائياً عن هذا التوجه، لكنه يفتح الباب أمام المطالبة بتوضيح رسمي بشأن مآل التعهد المعلن أمام البرلمان.

فقد تختار الحكومة تقديم مشروع قانون مستقل، أو إدراج مقتضيات جديدة ضمن مراجعة القانون الجنائي، أو اعتماد مقاربة تشريعية مختلفة تراعي الإشكالات التي أثيرت في التجارب السابقة.

غير أن أياً من هذه الاحتمالات لا ينبغي اعتباره قراراً حكومياً مؤكداً ما لم يصدر بشأنه توضيح رسمي أو يُعلن عن مسار تشريعي محدد.

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتصريحات عامة حول محاربة الفساد، وإنما توضيح طبيعة الإجراءات المرتقبة، والجدول الزمني لتنفيذها، والضمانات القانونية التي ستؤطرها.

كما أن أي تشريع في هذا المجال ينبغي أن يحدد بدقة نطاق التجريم وشروط تطبيقه، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، بما يضمن فعالية مكافحة الفساد من دون المساس بالحقوق الأساسية.

يضع هذا الملف رئاسة الحكومة أمام ضرورة توضيح العلاقة بين ما أُعلن خلال تقديم البرنامج الحكومي وما ورد في نسخته المكتوبة، خصوصاً أن الوثيقة يفترض أن تشكل مرجعاً لمتابعة السياسات العمومية وتقييم مدى تنفيذ الالتزامات المعلنة.

كما يطرح على وزارة العدل مسؤولية توضيح رؤيتها بشأن مستقبل تجريم الإثراء غير المشروع، في ضوء النقاشات القانونية السابقة، وما إذا كانت هناك نية لإعداد مقترح جديد يعالج الإشكالات المثارة.

ولا يتعلق الأمر بتحميل وزير بعينه مسؤولية غياب عبارة من وثيقة حكومية، بل بمساءلة المؤسسات المعنية عن مسار التزام أعلن أمام البرلمان، وعن الوسائل التشريعية التي ستعتمدها الحكومة لتحقيق أهدافها في مجال النزاهة والشفافية.

فمحاربة الفساد لا تُقاس فقط بعدد التصريحات أو بعمومية الشعارات، وإنما بوضوح القوانين، وشفافية القرارات، ووجود آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة، مع ضمان التطبيق العادل للقانون.

وبين التعهد المعلن والصياغة المكتوبة، يبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام المغربي جواباً واضحاً عنه: هل ستتجه الحكومة إلى إخراج تشريع صريح لتجريم الإثراء غير المشروع، أم ستعتمد مقاربة قانونية أخرى؟

الجواب عن هذا السؤال يظل مسؤولية الحكومة، من خلال توضيح موقفها رسمياً وتحديد المسار التشريعي الذي تعتزم اتباعه، بما يجعل الالتزامات المعلنة قابلة للتتبع والتقييم والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *