فرنسا على صفيح ساخن.. الاحتجاجات تضع الحكومة أمام أزمة تتجاوز حسابات الأمن والسياسة

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
ليست كل أزمة تهز الشارع قابلة للاحتواء بقرار حكومي، وليست كل موجة احتجاج تنتهي بمجرد عودة الهدوء إلى الشوارع. ففي فرنسا، حيث تتقاطع قوة المؤسسات مع تقاليد الاحتجاج السياسي والاجتماعي، تبدو التطورات الأخيرة اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة على فهم ما يجري داخل المجتمع، وليس فقط على ضبط ما يحدث في الفضاء العام.
ما يلفت الانتباه في المشهد الفرنسي ليس الاحتجاج في حد ذاته، فالتظاهر جزء من الحياة السياسية الفرنسية، وإنما ما تكشف عنه هذه الأحداث من صعوبة التوفيق بين متطلبات الاستقرار، وتزايد الضغوط الاجتماعية، وتراجع قدرة الخطاب الرسمي على إقناع جميع الفئات بأن السياسات المتبعة تستجيب لانتظاراتها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق النقاش لا يتعلق فقط بقدرة الحكومة على احتواء الاحتجاجات، بل بمدى استعدادها لمراجعة أسلوب تدبيرها للأزمات، والانتقال من منطق الدفاع عن القرارات المتخذة إلى منطق البحث عن حلول تستوعب التحولات التي يعرفها المجتمع الفرنسي.
حين يصبح الشارع مرآة للسياسة
تاريخ فرنسا الحديث يوضح أن الشارع ظل، في محطات عديدة، مساحة أساسية للتعبير عن الاعتراض على القرارات الحكومية. لكن الاحتجاجات لا تحمل دائمًا المعنى نفسه، ولا يمكن وضع جميع التحركات في سلة واحدة؛ فهناك مطالب اجتماعية، ومواقف سياسية، وتعبيرات شبابية عن القلق من المستقبل، كما قد تتسلل إلى بعض التجمعات أعمال عنف وتخريب تستوجب التعامل معها وفق القانون.
وتكمن الصعوبة في أن السلطة مطالبة بقراءة هذه المستويات مجتمعة من دون الخلط بينها. فالتعامل مع كل احتجاج باعتباره تهديدًا أمنيًا قد يؤدي إلى تجاهل الرسائل التي يحملها، كما أن التغاضي عن أعمال العنف باسم الاحتجاج قد يضر بالمجتمع وبحق المواطنين في الأمن.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تمنع الاعتراض، وإنما التي تستطيع تدبيره في إطار القانون، وتملك من الثقة والشرعية ما يسمح لها بتحويل الخلاف إلى نقاش سياسي بدل تركه يتطور إلى مواجهة مفتوحة.
الحكومة بين منطق الردع ومحدودية الحلول السريعة
من الطبيعي أن تلجأ الحكومة الفرنسية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية عندما تواجه أعمال نهب وتخريب واعتداءات. فحماية الممتلكات والأرواح مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، كما أن فرض القانون يظل ضرورة لاستمرار الحياة العامة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن هو اللغة الأساسية في التعامل مع أزمة تتجاوز حدود الأمن. فالإجراءات الأمنية، مهما اتسع نطاقها، لا تستطيع وحدها معالجة أسباب الاستياء الاجتماعي، ولا يمكنها أن تعوض غياب الحلول السياسية أو الاقتصادية.
وهنا تواجه الحكومة معضلة حقيقية: إذا ركزت على الردع وحده، فقد تتمكن من تقليص مظاهر الفوضى، لكنها ستظل مطالبة بالإجابة عن الأسئلة التي فجرت الغضب. وإذا اختارت الحوار، فإن نجاحها سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحويله إلى التزامات واضحة، بدل أن يتحول إلى سلسلة من اللقاءات والتصريحات التي لا يلمس المواطن نتائجها.
إن الرهان، في تقديري، لا يكمن في الاختيار بين الحزم والحوار، بل في تحديد وظيفة كل منهما: القانون لمواجهة التجاوزات، والسياسة لمعالجة الخلافات، والإصلاح لمعالجة الاختلالات التي تتطلب وقتًا وقرارات تتجاوز التدبير الظرفي.
أزمة الثقة أخطر من أزمة الشارع
تستطيع الحكومات تجاوز يوم احتجاجي صعب، وقد تتمكن من استعادة السيطرة على الوضع في وقت قصير، لكن استعادة الثقة عملية مختلفة تمامًا. فهي لا تتحقق عبر البيانات الرسمية، وإنما من خلال قدرة المواطنين على ملاحظة الفرق بين ما تعلنه السلطة وما ينعكس فعليًا على حياتهم.
وعندما يشعر المواطن بأن قضاياه اليومية لا تجد المكانة نفسها في أولويات القرار العمومي، تتسع المسافة بين المجتمع والمؤسسات. وقد تتحول هذه المسافة، مع تراكم الإحباطات، إلى استعداد أكبر للاحتجاج، حتى عندما تختلف الأسباب المباشرة من مرحلة إلى أخرى.
لهذا، سيكون من الخطأ قراءة الأحداث الحالية من زاوية أعداد الموقوفين، أو حجم الانتشار الأمني، أو مدى نجاح السلطات في تأمين المظاهرات المقبلة فقط. فهذه مؤشرات تتعلق بتدبير الوضع الميداني، لكنها لا تكفي للحكم على مدى معالجة الأزمة.
المعيار الأهم هو ما إذا كانت الحكومة قادرة على إعادة بناء علاقة الثقة مع المواطنين، وتقديم إجابات مقنعة بشأن القضايا الاجتماعية التي تشغلهم، وإظهار أن المشاركة والاحتجاج السلمي يمكن أن يؤثرا في النقاش العمومي.
الاختبار السياسي لا ينتهي عند عودة الهدوء
تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في سياق سياسي يتجه نحو الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، حيث تصبح قدرة الحكومة على إدارة الأزمات جزءًا من النقاش حول مستقبل البلاد واتجاهاتها السياسية.
لكن اختزال الاحتجاجات في حسابات الانتخابات سيكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. فالأزمات الاجتماعية لا تنتظر المواعيد الانتخابية حتى تظهر، ولا تختفي بالضرورة عندما تتغير التحالفات أو تتبدل الخطابات السياسية.
كما أن استثمار التوترات في المنافسة الحزبية قد يمنح بعض القوى فرصة لتوسيع حضورها، لكنه لا يقدم، في حد ذاته، حلولًا للمشكلات التي يعيشها المواطنون. فالمجتمع يحتاج إلى سياسات قابلة للتقييم، لا إلى مزايدات متبادلة حول من يتحمل المسؤولية أو من يستطيع تقديم الخطاب الأكثر تشددًا.
ومن ثم، فإن التحدي أمام الحكومة الفرنسية يتمثل في منع الأزمة من التحول إلى عامل إضافي لتآكل الثقة في المؤسسات، مع الحفاظ على التوازن بين حماية النظام العام وصون الحريات، وتجنب القرارات التي قد تعالج مظاهر الاحتقان على حساب أسبابه.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟
إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب أكثر من إعلان العودة إلى الوضع الطبيعي. المطلوب هو تحديد الأولويات الاجتماعية بوضوح، والاستماع إلى الفئات المعنية، ومراجعة السياسات التي تكشف الوقائع عن محدودية نتائجها، وتقديم حصيلة قابلة للقياس أمام الرأي العام.
كما أن الشفافية في تقييم ما حدث، بما في ذلك أوجه القصور في الاستعداد للأحداث أو التعامل معها، يمكن أن تشكل مدخلًا لتصحيح المسار. فالاعتراف بالأخطاء المؤسسية لا يعني إضعاف الدولة، بل قد يعزز مصداقيتها عندما يقترن بالمساءلة والإصلاح.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي الدفاع عن الحق في الاحتجاج إلى التقليل من خطورة الاعتداء على الأشخاص أو تخريب الممتلكات. فالحريات والمسؤوليات ليستا نقيضين، بل يشكل احترامهما معًا أساسًا لأي استقرار ديمقراطي مستدام.
فرنسا أمام امتحان يتجاوز الحكومة الحالية
ما يحدث في فرنسا يطرح سؤالًا يتجاوز مصير حكومة بعينها: كيف تستطيع الديمقراطيات الحديثة الحفاظ على الاستقرار في مجتمعات تتزايد فيها المطالب وتتعدد فيها مصادر القلق، بينما تظل الموارد العمومية والقدرة على الاستجابة محدودة؟
لا توجد وصفة سريعة للإجابة عن هذا السؤال، لكن التجربة تؤكد أن تجاهل المطالب لا يلغيها، وأن الاعتماد على الإجراءات الاستثنائية لا يعفي المؤسسات من مسؤولية الإصلاح.
قد تنجح الحكومة الفرنسية في احتواء التحركات المقبلة، وقد يعود الهدوء إلى المدن التي شهدت توترًا، لكن ذلك لن يكون نهاية الأزمة ما لم يترافق مع مسار سياسي واجتماعي يعيد الاعتبار للثقة والحوار والنتائج الملموسة.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على فرض الهدوء وحده، وإنما بقدرتها على جعل الاستقرار خيارًا مقبولًا لدى المجتمع، لا مجرد وضع تفرضه الظروف الأمنية.
فالشارع قد يتوقف عن الاحتجاج، لكن الأسئلة التي دفعته إلى الحركة ستظل قائمة ما لم تجد طريقها إلى القرار السياسي.
