المغـرب: مرثية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.. من مدرسة النضال إلى ثقافة التبرير

ليست مرثية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إعلاناً عن وفاة حزب سياسي ما زال حاضراً في المشهد الوطني المغربي، وإنما هي مرثية بالمعنى السياسي، تستحضر المسافة المتزايدة بين مجد تاريخي صنعه الرواد والمناضلون، وبين واقع حزبي يثير أسئلة عميقة حول الهوية والمرجعية والقيادة والاختيارات السياسية. إنها مرثية لمرحلة نضالية كان فيها الاتحاد الاشتراكي مدرسة في النضال الديمقراطي، وفضاءً لإنتاج الأفكار والمواقف، ورمزاً للتضحية والصمود والدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية، قبل أن يجد نفسه أمام تحديات التحول من حزب يحمل مشروعاً مجتمعياً إلى تنظيم مطالب بتبرير اختياراته وتحالفاته ومواقفه.

لقد ارتبط تاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأسماء وازنة في الذاكرة السياسية المغربية، من قبيل المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون وعبد الرحمن اليوسفي، وهي أسماء لم تستمد رمزيتها من مواقعها التنظيمية فحسب، بل من مساراتها النضالية وما جسدته من التزام سياسي وفكري، ومن إيمان بأن العمل الحزبي مسؤولية تاريخية وأخلاقية قبل أن يكون وسيلة للوصول إلى السلطة أو تدبير مواقعها.

كان الاتحاد الاشتراكي، في مراحل من تاريخه، مدرسة لتكوين المناضل، وصناعة الوعي السياسي، وترسيخ ثقافة الاختلاف والنقاش والمساءلة. ولم يكن الانتماء إليه مجرد عضوية حزبية، بل ارتباطاً بمشروع ديمقراطي واجتماعي يستمد شرعيته من دفاعه عن حقوق المواطنين، وانحيازه إلى الفئات الشعبية، ومقاومته للاستبداد، وإيمانه بإمكانية بناء مغرب تسوده الحرية والكرامة والعدالة.

غير أن الأحزاب التاريخية لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، ولا تستطيع أن تجعل من رصيدها الرمزي حصانة دائمة ضد النقد والمساءلة. فالتاريخ، مهما كانت قيمته، لا يعفي الحاضر من واجب التقييم، ولا يمنح القيادة حق التصرف في المرجعية الحزبية باعتبارها إرثاً خاصاً بها. ومن هنا تبدأ المفارقة الاتحادية: كيف لحزب راكم هذا التاريخ النضالي أن يجد نفسه أمام تساؤلات متزايدة بشأن تراجعاته السياسية، وتراجع إشعاعه الانتخابي، وطبيعة تحالفاته، ومدى انسجام قرارات قيادته مع المرجعية التي تأسس عليها؟

إن الإشكال لا يتعلق بمجرد اختلاف في التقدير السياسي، ولا برفض مبدئي للمشاركة الحكومية أو عقد التحالفات؛ فالممارسة الديمقراطية تقتضي التفاوض والتوافق، وقد تفرض موازين القوى خيارات لا تتطابق تماماً مع التطلعات الأصلية للأحزاب. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتحول الضرورة الظرفية إلى مبرر دائم، ويصبح التكيف مع الأمر الواقع بديلاً عن محاولة تغييره، وتتحول القيادة من موقع إنتاج المواقف إلى موقع الدفاع المستمر عن اختيارات تثير أسئلة مشروعة داخل الحزب وخارجه.

لقد كان الاتحاد الاشتراكي، في مرجعيته التاريخية، حزباً ينتج الخطاب السياسي ويؤطر النقاش العمومي، لا حزباً يكتفي بتفسير ما تفرضه موازين القوى. وكانت قوته المعنوية مرتبطة بقدرته على التمييز بين الممكن سياسياً والمقبول مبدئياً، وبين التسوية التي تخدم مشروعاً إصلاحياً والتنازل الذي يفرغ المشروع من مضمونه.

أما حين تتقدم ثقافة التبرير على ثقافة النقد الذاتي، فإن الحزب يصبح معرضاً لفقدان قدرته على مراجعة اختياراته. فالقيادة التي تعتبر كل قرار تتخذه صائباً لمجرد صدوره عنها، وتتعامل مع الاعتراض باعتباره عائقاً أمام الواقعية السياسية، قد تجد نفسها محاطة بخطاب دفاعي يحجب عنها حقيقة التحولات التي يعرفها المجتمع، ويحول دون إدراك أسباب تراجع الثقة والتمثيلية.

ومن هنا يبرز السؤال حول طبيعة التحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يثير نقاشاً سياسياً بشأن مدى انسجامه مع الهوية التاريخية للاتحاد الاشتراكي. وليس المقصود أن التحالف مع حزب مختلف في المرجعية يمثل، في حد ذاته، خروجاً عن الديمقراطية أو خطأً سياسياً محسوماً؛ فالأحزاب الديمقراطية تستطيع بناء تحالفات متباينة متى توفرت أرضية برنامجية واضحة، وضمانات تحفظ استقلالية القرار، وأهداف قابلة للقياس والمحاسبة.

لكن المطلوب من القيادة الاتحادية أن تشرح للرأي العام المغربي، وللمناضلين والمناضلات، ما الذي يجعل هذا التحالف ضرورياً، وما المكاسب السياسية والاجتماعية المنتظرة منه، وما حدود التنازلات التي قد يفرضها، وكيف يمكن ضمان ألا يتحول الانخراط فيه إلى مجرد وسيلة للحفاظ على المواقع أو الحصول على نصيب من المسؤوليات الحكومية.

فالمشاركة في الحكومة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتنفيذ برنامج سياسي وتحقيق إصلاحات ملموسة. وإذا لم يكن التحالف قادراً على ترجمة حضوره المؤسساتي إلى نتائج اجتماعية وديمقراطية، فإن المكاسب الظرفية قد تتحول إلى خسائر استراتيجية، خصوصاً عندما تتسع المسافة بين الخطاب التاريخي للحزب وممارساته الراهنة.

إن الواقعية السياسية لا تعني التسليم المطلق بموازين القوى، كما أن البراغماتية لا تعني التخلي عن المبادئ. فالسياسي الواقعي هو الذي يعرف كيف يتعامل مع الظروف دون أن يفقد استقلاليته، وكيف يعقد التسويات دون أن يتنازل عن هويته، وكيف يحقق مكاسب مرحلية دون أن يحولها إلى بديل عن مشروعه المجتمعي.

أما الاستشهاد بالتاريخ لتسويغ اختيارات الحاضر، فلا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق النقاش. فالسياقات التاريخية تختلف، والوقائع لا تتطابق، ولا يمكن لأي قياس تاريخي أو ديني أن يعفي القرار السياسي المعاصر من ضرورة التبرير البرنامجي والأخلاقي. إن مشروعية التحالفات تُقاس بأهدافها ونتائجها ومدى احترامها للمؤسسات والمصلحة العامة، لا بمجرد استدعاء سوابق تاريخية لإضفاء الشرعية عليها.

وإذا كانت أزمة الاتحاد الاشتراكي تتجلى في اختيارات القيادة وتحالفاتها، فإنها تتجلى أيضاً في تراجع رصيده الانتخابي وقدرته على استقطاب فئات جديدة من المجتمع. فقد انتقل الحزب من 34 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 26 مقعداً في انتخابات 2026، وهو تراجع يطرح أسئلة حول أسباب تقلص تمثيليته ومدى قدرته على تجديد خطابه وقاعدته الاجتماعية.

ولا يجوز اختزال هذه النتيجة في مسؤولية شخص واحد أو قرار سياسي بعينه؛ فالتراجع الانتخابي ظاهرة متعددة العوامل، تتداخل فيها طبيعة المنافسة، والتحولات الاجتماعية، وأداء المرشحين، وصورة الحزب لدى الناخبين، ومدى قدرته على تقديم بدائل مقنعة. لكن هذه العوامل مجتمعة تجعل من الضروري إخضاع المسار الحزبي لتقييم موضوعي، بدل الاكتفاء بتفسير النتائج بالظروف الخارجية أو بموازين القوى.

إن الحزب الذي يطمح إلى استعادة مكانته لا يستطيع أن يتعامل مع النتائج الانتخابية باعتبارها أرقاماً عابرة، بل ينبغي أن يقرأها باعتبارها مؤشرات على مستوى الثقة والتمثيلية والقدرة على التأثير. فالمقاعد البرلمانية ليست وحدها معيار النجاح، لكنها تعكس جانباً من علاقة الحزب بالمجتمع، ومدى اقتناع الناخبين بقدرته على الدفاع عن مصالحهم وتطلعاتهم.

والأكثر إشكالاً أن التراجع الانتخابي قد يتفاقم عندما يقترن بضعف الحياة الداخلية، وانكماش النقاش المؤسساتي، وغياب المحاسبة السياسية. فالأحزاب الديمقراطية لا تستمد قوتها من قياداتها وحدها، بل من مؤسساتها، ومن قدرة قواعدها على المشاركة في صناعة القرار، ومن احترام الاختلاف باعتباره مصدر قوة وتجديد.

إن أي اختلال في التوازن بين القيادة والمؤسسات يمكن أن يؤدي إلى تركيز القرار في دائرة ضيقة، وإضعاف المبادرة لدى المناضلين، وتحويل الأجهزة التقريرية إلى مؤسسات للمصادقة بدل أن تكون فضاءات للنقاش والتقييم والمساءلة. وإذا تكرس هذا الوضع، فإن الحزب يفقد تدريجياً إحدى أهم وظائفه التاريخية: تكوين النخب السياسية القادرة على التفكير المستقل، وإنتاج البدائل، وممارسة النقد الذاتي.

ولا تتحمل القيادة وحدها مسؤولية هذا المسار، إذ إن صمت القواعد وتراجع المبادرة وغياب النقاش المنظم قد تسهم بدورها في إضعاف الحياة الحزبية. فالديمقراطية الداخلية ليست نصوصاً في القوانين الأساسية، وإنما ممارسة يومية تقوم على حرية التعبير، وشفافية القرار، واحترام التعدد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة لثقافة العمل الحزبي، وإلى التمييز بين المشاركة السياسية المشروعة وبين اختزال العمل السياسي في البحث عن المواقع والمناصب. فالمشكلة ليست في تحمل المسؤولية الحكومية، بل في أن تتحول المسؤولية إلى غاية منفصلة عن المشروع الذي يمنحها معناها.

إن ثقافة «الهمزة»، بمعناها السياسي المجازي، تختزل السياسة في اقتناص الفرص، وتقديم المكسب الظرفي على البناء الاستراتيجي، والتعامل مع التحالفات باعتبارها منافذ إلى المواقع لا أدوات لتنفيذ البرامج. وهي ثقافة تتناقض مع معنى النضال السياسي الذي يقوم على الصبر والتراكم والتضحية والقدرة على تأجيل المكاسب عندما تكون كلفتها المبدئية مرتفعة.

وليس المطلوب العودة إلى الماضي بحذافيره، أو التعامل مع تجربة الرواد باعتبارها نموذجاً مثالياً لا يقبل النقد. فالتاريخ نفسه يتضمن اجتهادات واختيارات قابلة للنقاش، كما أن المغرب تغير سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأصبح الحزب مطالباً بتقديم أجوبة جديدة عن أسئلة التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية والتحولات الرقمية.

لكن التجديد لا يعني القطيعة مع المرجعية، كما أن تحديث الأدوات لا يقتضي التخلي عن المبادئ. فالوفاء الحقيقي لتاريخ الاتحاد الاشتراكي يتمثل في الحفاظ على روحه النقدية، واستقلالية قراره، وانحيازه إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقدرته على إنتاج بدائل تستجيب للتحولات الراهنة.

ومن الخطأ أيضاً اختزال أزمة الحزب في القيادة وحدها، لأن الأزمة قد تكون أعمق من الأشخاص، وتمس ثقافة التنظيم وآليات إنتاج النخب، وطبيعة العلاقة بين المركز والفروع، ومدى قدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها. ولذلك، فإن تغيير الأشخاص، إذا حدث، لن يكون كافياً ما لم يرافقه تغيير في قواعد اشتغال الحزب، وفي معايير اختيار المسؤولين، وفي آليات التقييم والمحاسبة.

إن الاتحاد الاشتراكي يحتاج اليوم إلى مصالحة حقيقية مع ذاته، لا تقوم على الشعارات، بل على مراجعة المسار وتقييم النتائج، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة، وإحياء الصلة بالفئات الاجتماعية التي شكلت تاريخياً جزءاً من امتداده.

ويقتضي ذلك أن تقدم القيادة تقييماً واضحاً للحصيلة الانتخابية والسياسية، وأن تخضع التحالفات لتعاقدات معلنة ومحددة الأهداف، وأن تتيح للمؤسسات الحزبية مناقشة الاختيارات الكبرى بحرية ومسؤولية. كما يقتضي إعادة بناء الثقة مع المجتمع، من خلال مواقف واضحة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وبرامج قابلة للتنفيذ، وممارسة سياسية لا تنفصل فيها المسؤولية عن المحاسبة.

إن مستقبل الاتحاد الاشتراكي يتوقف على قدرته على الاختيار بين ثلاثة مسارات: تجديد نقدي يعيد الاعتبار للمرجعية التاريخية ويحولها إلى مشروع معاصر؛ أو استمرار في التكيف الظرفي قد يحافظ على حضور مؤسساتي محدود دون استعادة الجاذبية الاجتماعية؛ أو تعمق المأزق التنظيمي والانتخابي إذا استمرت الاختيارات نفسها دون مراجعة حقيقية.

وليس أي من هذه المسارات قدراً محتوماً، لأن الأحزاب التاريخية تستطيع استعادة حيويتها متى امتلكت الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والقدرة على تجديد نخبها، والإرادة لتحويل النقد إلى إصلاحات عملية.

إن مرثية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست بكاءً على زمن مضى، ولا حكماً نهائياً على حزب ما زال يمتلك رصيداً تاريخياً ورأسمالاً بشرياً يمكن أن يشكلا أساساً لنهضة جديدة. إنها تحذير من أن تتحول الذاكرة النضالية إلى مجرد وسيلة لتبرير الحاضر، ومن أن يصبح الاسم التاريخي بديلاً عن المشروع السياسي، ومن أن تختزل المشاركة في السلطة معنى العمل الحزبي.

لقد كان الاتحاد الاشتراكي مدرسة في النضال، ومختبراً للأفكار، وقوة للدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لكن المدارس السياسية لا تبقى حية بأسمائها وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة والمواقف، وتكوين الأجيال، وتجديد علاقتها بالمجتمع.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه القيادة والمؤسسات والمناضلين والمناضلات ليس ما إذا كان الاتحاد الاشتراكي قد انتهى، بل ما إذا كان قادراً على إنهاء مرحلة التبرير وفتح مرحلة النقد الذاتي والتجديد.

فإذا امتلك الحزب الشجاعة لمراجعة اختياراته، وإعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية، وربط المشاركة السياسية ببرنامج واضح ومحاسبة فعلية، أمكن أن تتحول هذه المرثية إلى بداية لاستعادة دوره التاريخي.

أما إذا استمر التباعد بين المرجعية والممارسة، وبين القيادة والقواعد، وبين الذاكرة والحاضر، فقد تصبح المرثية وصفاً لمسار طويل من فقدان المعنى والتأثير.

إن الوفاء الحقيقي للاتحاد الاشتراكي ليس في البكاء على مجد الرواد، بل في استعادة القيم التي صنعت ذلك المجد، وتحويلها إلى مشروع ديمقراطي واجتماعي قادر على مخاطبة الحاضر وبناء المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *