قراءة في مستجدات مشروع قانون التنظيم القضائي: ضمانات التقاضي ومبادئ المحاكمة العادلة

الوطن 24/ هشام العماري

هشام العماري

إن الهدف من سن قانون التنظيم القضائي هوتفعيل الحق في التقاضي بما يرتبط به من ضمانات للتقاضي ومبادئ للمحاكمة العادلة وفق ما تواضع عليه المجتمع المنتظم الدولي وما كرسه الدستورالوطني. ومن مظاهرضمان هذه الحقوق والمبادئ تنصيص قواعد التنظيم القضائي على مجموعة من المقتضيات أهمها:

أولا: ــ اعتبار الواجبات الملقاة على القضاة و على موظفي كتابة الضبط حقوقا للمتقاضين.

هكذا نصت المادة 37 على أنه: يمارس القضاة مهامهم بإستقلال وتجرد ونزاهة وإستقامة. وإذا كان الدستورـ المادة 109ـ قد نص على واجبات إستقلال القضاة وتجردهم فقط فإن القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة نص بشكل صريح بخصوص الإلتزامات موضوع القسم الذي يؤدى قبل مباشرة المهام القضائية على أن القاضي يمارس مهامه بحياد وتجرد وإخلاص وتفان وأن يحافظ على صفات الوقار والكرامة… وأن يسلك في ذلك كله مسلك القاضي النزيه. كما ينتظرأن يتم التنصيص في مدونة الأخلاقيات القضائية التي سيضعها المجلس الأعلى للسلطة القضائية على بعض الإلتزامات التي تقع على عاتق القضاة.

كذلك نصت نفس المادة على أن موظفي كتابة الضبط يمارسون مهامهم بتجرد ونزاهة وإستقامة. ومما يلاحظ أن التنظيم القضائي لم يفرض على أطر وموظفي كتابة الضبط واجب الإستقلال. وربما في هذا الإغفال محاولة لتفادي سوء الفهم في العلاقة التي تربط كتابة الضبط بالقضاء.

وقد تم التنصيص على كون الواجبات الملقاة على عاتق القضاة وموظفي كتابة الضبط ضمن حقوق المتقاضين للتأكيد على أن الخصائص المذكورة ليست إمتيازا للقاضي أو موظف كتابة الضبط وإنما هي ضمانات للمتقاضين تيسر لهم سبل الولوج إلى عدالة شفافة مستقلة ونزيهة.

ثانيا:ــ تفعيل ضمانات التقاضي من حيث ضمان حياد القضاة: قواعد التجريح والتنافي والمخاصمة.

وإذا كان مشروع قانون التنظيم القضائي لم ينص على حالات التجريح والمخاصمة وإنما أحال ذلك على قوانين المسطرة المدنية والجنائية فإنه ذكر بعض حالات التنافي بالنسبة للقضاة معتبرا أنه لا يجوز للقضاة الذين تجمعهم رابطة القرابة في حدود معينة أن يكونوا بأي صفة كانت أعضاء في هيئة واحدة بالمحكمة. مما يعني أن المرجع في تفصيل حالات التنافي والتجريح والمخاصمة أو في تنظيم الشكل والإجراءات في كل ذلك هو القانون المسطري. وكان من الأفضل أن تدرج حالات التنافي والتجريح والمخاصمة في صلب التنظيم القضائي على أن تنظم ضوابطها الشكلية والمسطرية في القوانين الإجرائية.

ومن مستجدات مشروع قانون التنظيم القضائي أنه نص لأول مرة على تنازع المصالح كمانع للقاضي يحول دون النظر في قضية تعنيهم. وإذا كان المشروع لم يحدد مفهوم تنازع المصالح شأنه شأن الدستور في فصله 36 فإنه يتعين الرجوع ـ وفي غياب تنظيم جرائم تنازع المصالح في القوانين الجنائية ـ إلى التعاريف التي أعطيت لهذا المفهوم خاصة من طرف المجلس الأوروبي والتشريعات المقارنة والهيئات المكلفة بالشفافية والوقاية من الفساد.

ثالثا:ــ تيسير الولوج للتقاضي وتيسير الوصول إلى المعلومة.ــ كلمات مفتاح: الناطق الرسمي بإسم المحكمة. ماهية المعلومة. حماية المعطيات الشخصية ــ.

كرس مشروع قانون التنظيم القضائي مبدأ تيسير الولوج إلى العدالة كمبدأ من مبادئ الحكامة والنجاعة القضائية. وجعل تيسير الوصول إلى المعلومة من تمظهرات هذا المبدأ، وألقى بهذا العبء على المسؤول القضائي ـ المادة 38ـ الذي أناط به صفة الناطق الرسمي بإسم المحكمة سواء على مستوى الرئاسة أو النيابة العامة كل في حدود اختصاصه.

إلا أن هذا التنظيم في نظرنا يعتبر قاصرا لكونه لم يضع الحدود أوالمعاييرالفاصلة بين إختصاص ممثل المحكمة وممثل النيابة العامة من جهة أولى ـ مثلا من هو الناطق الرسمي عندما تكون القضية رائجة أمام قاضي التحقيق ـ كما أنه لم يصنف هذا المعطى في جانب الحق أوالواجب من جهة أولى. بمعنى هل يعتبر دور التواصل إختيارا للمسؤول القضائي أم واجبا عليه؟

وينبغي قراءة هذا الدور التواصلي في علاقة وثيقة مع مبدأين دستوريين: أولهما الحق في الوصول إلى المعلومة وثانيهما حماية الحياة الخاصة بما في ذلك حماية المعطيات الشخصية. فإذا كان الوصول إلى المعلومة ضمانة من ضمانات الشفافية التي هي حق من حقوق المواطنين والمستفيدين من خدمات المرافق العمومية فإن ذلك يجب ألا يمس حقا آخر من الحقوق الشخصية لباقي المواطنين وهو الحق في حماية حياتهم الخاصة المضمونة دستوريا بما في ذلك الحرص على ضمان عدم تسريب معطياتهم الشخصية إلى الغير. كما أن خرق بعض المعلومات قد يشكل خطأ جسيما في حق القاضي المعني بالأمر وقد يشكل جنحة إفشاء السر المهني إذا توفرت شروطها وفق الفصل 446 من القانون الجنائي.

رابعا:ــ تكريس اللغة العربية لغة رسمية للتقاضي والتنصيص على ترسيم اللغة الأمازيغية كلغة للتقاضي.

قبل أن تكرس دساتير المملكة اللغة العربية كلغة رسمية للدولة كان المرجع في وجوب إستعمال اللغة العربية أمام المحاكم المغربية هو مرسوم 1965 المعروف بمرسوم المغربة والتعريب والتوحيد. وقد كان قضاء محكمة النقض مستقرا على أن المقصود بتعريب القضاء هوإعتماد اللغة العربية كلغة للمرافعات والمذكرات أما باقي الوثائق المحررة باللغة الأجنبية فيمكن للمحكمة أن تكلف من أدلى بها بترجمتها إلى اللغة العربية إذا كان في ذلك فائدة…..

وإنسجاما مع الدستور الذي نص على أن اللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية وبأن اللغة الأمازيغية هي لغة رسمية فقد أكد مشروع التنظيم القضائي في مادته 14 على أن لغة التقاضي والمرافعات وصياغة الأحكام هي اللغة العربية مع التذكير بتفعيل اللغة الأمازيغية وفق المادة 5 من الدستور ـ الإحالة على قانون تنظيمي ـ.

خامسا: ــ ضمان المجانية بالنسبة لبعض الفئات. ــ إحالة ــ

لم يعتبرقانون التنظيم القضائي الجديد المجانية حقا لكل المتقاضين وإنما للمعوزين منهم فقط. معترفا لهذه الفئة بالحق في القانونية أوالمساعدة القضائية طبقا للشروط المحددة قانونا. وبطبيعة الحال فإن قوانين المساعدة القانونية والقضائية مرتبطة بنصوص قانونية أخرى من قبيل النص المنظم لمهنة المحاماة والنصوص المتعلقة بالرسوم القضائية ومصاريف الخبرة القضائية….

ومن البديهي أن المجانية المقصودة في مشروع قانون التنظيم القضائي كما هوالشأن بالنسبة للفصل 121 من الدستور لا يقصد بها إعفاء المتقاضين من أداء رواتب القضاة وموظفي كتابة الضبط لأن هذا الإعفاء هو مقرر بقوة القانون والأشياء ذلك أن القضاء الرسمي يمثل سيادة الدولة وأن القضاة وموظفي كتابة الضبط تتولى الدولة أداء رواتبهم انطلاقا من ميزانيتها على خلاف قضاء التحكيم الذي يعتبر قضاء خاصا. وإنما المقصود بالمجانية هوالإعفاء من الرسوم القضائية ومن أتعاب المحامين والخبراء والتراجمة وغيرهم من أصحاب المهن الحرة. فهذا الإعفاء غير معمم وإنما تستفيد منه فقط الفئات التي لا تتوفر على موارد كافية للتقاضي بالنسبة للمساعدة القضائية وكذا الفئات أو الوضعيات الخاصة التي متعها المشرع بالإعفاء القانوني كما هو الشأن مثلا بالنسبة للنساء في قضايا النفقة والأجراء في نزاعات الشغل والمرتفقين في قضايا الإلغاء.

لذلك نعتقد أنه لا الدستور ولا مشروع التنظيم القضائي ـ وبالنظر إلى كلفة العدالة وما تتطلبه من مصاريف ـ لم يجعلا من مجانية التقاضي مبدأ وإنما استثناء يسمح به القانون ضمن شروط معينة.

سادسا:ــ ضمان التعويض عن الخطأ القضائي.

بالرغم من تأكيد مشروع قانون التنظيم القضائي على هذا المستجد المنصوص عليه دستوريا إلا أنه لم ينظم دعوى التعويض عن الخطأ القضائي لا من حيث شروطها الشكلية أوالموضوعية ولا من حيث الجهة القضائية المختصة للبت فيها.

وكان من الأفضل تنظيم دعوى التعويض عن الخطأ القضائي ورسم شروطها الأساسية بدلا من أن تظل موضوع إجتهاد محض للقضاء تفاديا لوقوع تضارب كبير بين الأحكام القضائية الصادرة في هذا الموضوع سيما وأن نصوص ق ل ع المتعلقة بمسؤولية الدولة عن الخطأ المرفقي ـ وخاصة الفصلين 79 و 80 ـ لا تسعف وحدها في إيجاد الحلول اللازمة لتحديد شروط دعوى الخطأ القضائي وآثارها. كذلك فإن الفصل 81 ق ل ع الذي يرتب المسؤولية الشخصية للقاضي تجاه المتضرر من الخطأ الذي يرتكبه القاضي بمناسبة عمله لا يعتبر بديلا تشريعيا بإعتبار ضيق نطاقه من جهة كونه لا يتعلق سوى بحالات مخاصمة القاضي ومن جهة ثانية لأن هذا الفصل ينظم مسؤولية القاضي الشخصية وليس مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي الذي يعتبر أكثر شمولية يتسع للأخطاء العمدية وغيرها ويشمل خطأ القاضي والخطأ الناتج عن ظروف أخرى أوقعت القضاء في الخطأ.

لذلك، ونظرا لأهمية الموضوع الذي له إرتباط وثيق بمبدأ دستوري، نعتقد أنه على المشرع أن يعجل بإصدار قانون خاص ينظم هذه الدعوى والأجدر أن يدرج ضمن باب المسؤولية التقصيرية في صلب ق ل ع. وإذا ارتأى المشرع أن الجهة القضائية المختصة للبت في هاته الدعوى هي القضاء الإداري التنصيص على ذلك صراحة في صلب قانون إحداث المحاكم الإدارية.

* عضو المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بفاس