هَدْيُ الجمعة: الصلاةُ حياةُ القلب، وصِلَةُ العبد بربّه

الوطن24/ بقلم: ذ. السعيد شخمان
الصلاة ليست حركات تؤدَّى، ولا كلمات تُردَّد، ولا واجبًا ينتهي بالتسليم؛ إنّها عهدٌ بين العبد وربّه، وصلةٌ يتجدّد بها الإيمان، وتسمو بها الروح، وتستقيم بها الحياة. هي عماد الدين، والركن العظيم من أركان الإسلام الخمسة، وأول ما يُحاسَب عليه العبد من عمله يوم القيامة.
الصلاة لقاءٌ مع الله سبحانه وتعالى، يلجأ فيه القلب إلى خالقه، وتطمئنّ فيه النفس بذكره، ويقف العبد بين يدي ربّه متواضعًا خاشعًا، مستحضرًا ضعفه وفقره، راجيًا رحمته وفضله. وهي معراجٌ للروح إلى معاني القرب من الله، ومقامٌ تتطهّر فيه القلوب من غبار الدنيا، وتتجدّد فيه العزائم على الخير والاستقامة.
فالصلاة ليست جزءًا من حياة المسلم، بل هي التي ينبغي أن تنتظم بها حياته كلّها.
وقد جعل الله للصلاة مواقيت معلومة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. وفي انتظامها تربيةٌ للنفس على الانضباط، والوفاء، واحترام الوقت، وتقديم حقّ الله على شواغل الدنيا ومغرياتها. فلا تُؤخَّر عن وقتها استهانةً، ولا تُؤدَّى على عجلٍ وغفلة، بل تُقام بخشوعٍ وحضور قلب، واستشعارٍ لعظمة من نقف بين يديه.
ويأتي يوم الجمعة ليجدّد في النفوس معنى الاجتماع على ذكر الله، ويذكّر المؤمن بأنّ الدنيا، مهما اتّسعت مشاغلها، لا ينبغي أن تصرفه عن غايته الكبرى. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9].
إنّها دعوةٌ ربانية إلى ترتيب الأولويات، وإلى إدراك أنّ الرزق بيد الله، وأنّ السعي في طلبه لا يتعارض مع عبادته، بل يستقيم حين يكون في إطار طاعته ورضاه. فإذا نودي للصلاة، وجب على من تلزمه صلاة الجمعة أن يستجيب، وأن يترك البيع وسائر ما يشغله عنها، مستيقنًا أنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى.
وليست الصلاة الصحيحة أثرًا ينتهي بانتهاء وقتها، وإنما هي عبادةٌ ممتدّة في السلوك، تظهر آثارها في أخلاق الإنسان ومعاملاته، وفي صدقه وأمانته، ورحمته بالناس، وكفّ أذاه عنهم، وابتعاده عن الظلم والعدوان. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
فإذا وقف الإنسان بين يدي الله خمس مرات في اليوم، ثم خرج ليظلم الناس، أو يأكل حقوقهم، أو يكذب ويغشّ ويعتدي، فليُراجع أثر صلاته في قلبه وسلوكه، وليجاهد نفسه حتى تتحوّل الصلاة من أداءٍ للواجب إلى نورٍ يهديه، وقوةٍ تردعه، وبوصلةٍ تضبط مساره. وليس المقصود الحكم على قبول صلاة أحد عند الله، فذلك إلى الله وحده، وإنما المقصود أن نُحاسب أنفسنا على مقدار ما أثمرته عبادتنا من صلاحٍ واستقامة.
والصلاة بابٌ عظيم من أبواب الدعاء، ففيها يرفع المؤمن حاجته إلى ربّه، ويبثّ إليه همومه، ويسأله الهداية والمغفرة والرحمة والرزق والفرج. وفي السجود، حين يكون العبد أقرب ما يكون من ربّه، تتعلّم الروح معنى الافتقار، ويتحرّر القلب من وهم الاستغناء، ويوقن المؤمن أنّ خزائن الله لا تنفد، وأنّ رحمته أوسع من همومه، وأنّ تدبيره خيرٌ من تدبيره لنفسه.
غير أنّ الدعاء ليس معاملةً يفرض فيها العبد على ربّه ما يريد، ولا وعدًا بتحقّق كلّ مطلوب بالصورة والوقت اللذين يختارهما الإنسان؛ بل هو عبادةٌ وثقةٌ وحسن ظنّ بالله، مع الأخذ بالأسباب والصبر والرضا. وقد يستجيب الله لعبده بما سأله، أو يدّخر له من الخير ما لا يعلمه، فالمؤمن يدعو بقلبٍ حاضر، ويعمل بجوارحه، ويترك الأمر كلّه لحكمة الله ورحمته.
إنّ صلاح الصلاة من أعظم أسباب صلاح العمل، وإنّ المحافظة عليها تفتح للإنسان أبواب المراجعة والتوبة والإصلاح. فمن حافظ عليها، فليحمد الله ويسأله الثبات، ومن قصّر فيها، فباب التوبة مفتوح، وربّنا كريمٌ رحيم، لا ينبغي أن يقنط أحدٌ من رحمته. فلنُصلح صلاتنا قبل أن نطالب أنفسنا بكمال الاستقامة، ولنُصلح قلوبنا حتى لا تكون الصلاة عادةً تؤدّى، بل عبادةً تحيا بها القلوب.
وفي يوم الجمعة، خير أيام الأسبوع، حيث يجتمع المسلمون على الذكر والصلاة والدعاء، لنجعل من هذا اليوم محطةً لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله: هل صلاتنا تنهانا عن الظلم؟ هل قرّبتنا من القرآن؟ هل زادتنا رحمةً بالضعفاء، وصدقًا في القول، وإخلاصًا في العمل؟ وهل أصبحنا بعد الصلاة أفضل ممّا كنّا قبلها؟
تلك هي الصلاة التي نرجو أثرها في الدنيا، وثوابها في الآخرة؛ صلاةٌ تجمع بين خشوع القلب واستقامة السلوك، وبين صدق العبادة وحسن المعاملة، وبين الرجاء في رحمة الله والعمل بما يرضيه.
اللهم اجعل الصلاة قُرّة أعيننا، ونور قلوبنا، وصلاح أحوالنا، ولا تجعلها آخر همّنا ولا مجرّد عادةٍ تجري على ألسنتنا وجوارحنا، بل ارزقنا فيها خشوعًا صادقًا، وحضورًا كاملًا، وإيمانًا متجدّدًا.
دعاء يوم الجمعة
اللهم يا حيّ يا قيّوم، يا واسع الرحمة، يا عظيم الفضل، نسألك في هذا اليوم المبارك أن تغفر لنا ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتشرح صدورنا، وتطهّر قلوبنا، وتصلح أعمالنا، وتردّنا إليك ردًّا جميلًا.
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من المحافظين على الصلاة، الخاشعين فيها، المستقيمين على طاعتك، الذين إذا أحسنوا شكروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا دعوك أحسنوا الظنّ بك.
اللهم اجعل صلاتنا نورًا في قلوبنا، وبركةً في أعمارنا، وسكينةً في نفوسنا، وصلاحًا في بيوتنا، ورحمةً في معاملاتنا، وحصنًا لنا من الفحشاء والمنكر والظلم والعدوان.
اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، وألسنةً صادقة، وأعمالًا صالحة، وأرزاقًا طيّبة مباركة، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وفرّج هموم المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّين عن المدينين، وارحم المستضعفين، واجمع شمل الأسر على الخير والمحبّة.
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعل لنا في هذه الجمعة دعوةً لا تُردّ، ورحمةً لا تُحجب، ومغفرةً تمحو بها الذنوب، وفرجًا تشرح به الصدور، وخيرًا يعمّ حياتنا، ورضًا يملأ قلوبنا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل رضاك غايتنا، والجنة دارنا، وحسن الخاتمة نصيبنا.
اللهم إنّا نسألك حسن العبادة، وصدق التوبة، وثبات القلب، ودوام العافية، ورضاك حتى نلقاك.
وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد، والحمد لله ربّ العالمين.
جمعة مباركة، عامرة بذكر الله، والصلاة على رسول الله، والدعاء بالخير، والعمل الصالح.
