إخفاق مقاربة إدماج معتقلي السلفية الجهادية في المغرب: قراءة نقدية في ضوء تجارب مقارنة

الوطن24/الحيداوي عبد الفتاح 

رغم التقدم النسبي الذي شهده المغرب في مجال حقوق الإنسان منذ بداية الألفية الثالثة، لا يزال التعامل مع ملف معتقلي الرأي، خاصة أولئك المحسوبين على التيار السلفي الجهادي، يتسم بكثير من التوجس والتقنين الأمني أكثر من المقاربة الحقوقية أو الاجتماعية. وقد شكلت مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء إحدى الأدوات التي راهنت عليها الدولة من أجل تطويق الظاهرة، إلا أن أداء هذه المؤسسة في ما يخص معتقلي السلفية كشف عن محدودية واضحة، خصوصاً في عدم مراعاتها لطبيعة الاعتقال المرتبط بالرأي أو بالمواقف السياسية، ومحاولة إخضاع هذه الفئة لنفس مساطر الإدماج المطبقة على معتقلي الحق العام.

في هذا السياق، يمكن القول إن البرنامج الذي تبنته المؤسسة لإعادة إدماج هذه الفئة لم يكن مبنياً على قراءة دقيقة لسياق نشأة هذه الظاهرة وتعقيداتها السوسيولوجية والسياسية، بل كان في عمقه محاولة تقنوية لإغلاق الملف، دون تقديم مقاربة حقيقية قائمة على المصالحة والاعتراف والعدالة الانتقالية. ولعل استحداث مركز “مصالحة” لاحقاً كان اعترافاً ضمنياً بفشل المقاربة الأولى، غير أن هذا المركز بدوره سرعان ما انحرف عن أهدافه، إذ اقتصر عمله على فئة محدودة من المعتقلين الجدد، دون أن يشمل المعتقلين القدماء الذين يفترض أنهم أولى بالرعاية والدعم نظراً لطول معاناتهم وعمق الأثر النفسي والاجتماعي الذي خلفه اعتقالهم.

إن التعامل مع معتقلي الرأي باعتبارهم مجرد “قضايا أمنية” يمكن حلها عبر برامج تقنية لإعادة الإدماج دون الاعتراف بمظلوميتهم وسياقات اعتقالهم السياسية، يُعد ضرباً من التنصل من استحقاقات العدالة الانتقالية التي طالما وعد بها المغرب. الأسوأ من ذلك أن هذا التعاطي قد ساهم في خفض سقف مطالب هؤلاء المعتقلين، بل دفع ببعضهم إلى القبول بإجراءات مهينة أو دون الحد الأدنى من الكرامة، ما سمح للدولة بالتعامل معهم بصيغة “غير مؤهلين للدمج”، وهي تهمة مغلفة تُلقي باللائمة على الضحية بدل مراجعة سياسات الدولة ومؤسساتها.

ومن المؤسف أن المغرب لم يستفد من التجارب المقارنة، سواء في العالم العربي أو أوروبا، حيث بادرت عدد من الدول إلى مقاربات أكثر عدالة وإنصافاً، فمثلاً اعتمدت تونس بعد الثورة نموذجاً للعدالة الانتقالية مكّن عدداً من المعتقلين السياسيين من الحصول على الاعتراف الرسمي بكونهم ضحايا، فضلاً عن تعويضات معنوية ومادية. وفي بعض الدول الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا، خضع معتقلو قضايا “التطرف” لبرامج مركّبة تراعي الجانب النفسي والاجتماعي والديني، كما تفتح لهم إمكانيات حقيقية للاندماج المدني بعد الإفراج، ضمن رؤية لا تقوم فقط على الاحتواء الأمني بل على التمكين والكرامة.

ختاماً، إن مسؤولية الفشل في إدماج معتقلي الرأي ذوي الخلفية السلفية في المغرب تتحملها بالدرجة الأولى مؤسسة محمد السادس لإعادة الإدماج، لكنها لا تعفي بقية المؤسسات، خصوصاً المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يُفترض أن يكون حلقة الوصل في تحقيق العدالة وجبر الضرر. كما أن مسؤولية المعتقلين أنفسهم ليست غائبة، إذ كان عليهم أن يتمسكوا بسقف حقوقي أعلى، وأن يتحركوا في اتجاه الضغط من أجل الإنصاف، لا أن يندمجوا في منطق التهميش الممنهج.

شاهد أيضاً
إغلاق