من شرعية الصندوق إلى شرعية الإنجاز: هل تستطيع الانتخابات استعادة ثقة المواطن بعد إفراز الأغلبية الحكومية؟

الوطن24/ إعداد: ذ. السعيد شخمان
مقدمة: حين يصبح الواقع أقوى من الخطاب
في المغرب، لا تبدو المشكلة للوهلة الأولى مشكلة غياب دولة أو مؤسسات أو قوانين.
هناك دستور، وتشريعات، وأحزاب سياسية، وانتخابات دورية، وبرلمان بغرفتيه، وحكومة، ومجالس ترابية منتخبة، ومؤسسات وهيئات دستورية، ومنظومة واسعة من القواعد القانونية التي تنظم الحقوق والواجبات ومختلف مجالات الحياة العامة.
ومع ذلك، فإن صوراً مؤلمة من الواقع الاجتماعي تفرض نفسها باستمرار: بطالة، فوارق اجتماعية ومجالية، صعوبات في الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية، مظاهر الفساد والريع، فقدان الثقة، وإصرار بعض الشباب على البحث عن مستقبل خارج الوطن ولو عبر طرق محفوفة بالموت.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال حكومة أو حزب أو برلمان.
كيف يمكن لدولة تمتلك كل هذه البنية الدستورية والمؤسساتية أن تظل عاجزة عن تحويل كل تلك الإمكانات إلى شعور يومي لدى المواطن بالأمن الاجتماعي والكرامة وتكافؤ الفرص؟
إنها المسافة بين الدولة كما توجد في النصوص والدولة كما يعيشها المواطن في الواقع.
ومن هذه المسافة يولد السؤال السياسي الحقيقي.
أولاً: المشكلة ليست في كثرة النصوص وإنما في قوة تحويلها إلى واقع
الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، والمؤسسات ليست مجرد بنايات إدارية، والقوانين ليست نصوصاً معلقة في الكتب.
قيمة الدولة الحديثة تقاس بقدرتها على تحويل المبادئ إلى ممارسة، والحقوق إلى خدمات، والالتزامات إلى سياسات عمومية، والانتخابات إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى نتائج.
فما معنى أن يكون الحق مكفولاً إذا كان الوصول إليه صعباً؟
وما معنى أن تكون المؤسسة موجودة إذا لم يشعر المواطن بأثرها؟
وما معنى أن نملك قوانين متقدمة إذا ظل التطبيق دون مستوى الطموح؟
إن جوهر الإشكال هنا هو فجوة التنفيذ.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تكتبه في دستورها وقوانينها، وإنما كذلك بما يستطيع المواطن أن يلمسه في المدرسة والمستشفى والإدارة ومكان العمل والشارع والقرية والمدينة.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
ثانياً: الهجرة غير النظامية ليست مجرد مشكلة حدود
حين يغامر شاب بحياته في البحر أو يحاول عبور الحدود بطريقة غير نظامية، فإن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لفهم الظاهرة.
فالهجرة غير النظامية في أحد أبعادها العميقة هي سؤال عن الوطن.
ليست القضية أن شاباً يريد فقط الوصول إلى أوروبا.
السؤال الأهم هو:
لماذا أصبح بعض الشباب يرى أن مستقبله خارج وطنه أكثر قابلية للتحقق من مستقبله داخله؟
وحين يصبح هذا الشعور جماعياً، فإن القضية تتجاوز الفرد إلى السياسة العمومية.
الشاب الذي أنهى دراسته ولم يجد فرصة، والذي يرى أبناء جيله يعيشون الانتظار، والذي يشعر بأن الكفاءة لا تضمن دائماً تكافؤ الفرص، لا يحتاج فقط إلى خطاب يطالبه بالبقاء.
إنه يحتاج إلى سبب مقنع للبقاء.
وهذا السبب لا يصنعه الخطاب، وإنما تصنعه التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص والعمل والكرامة.
لذلك فإن الهجرة غير النظامية ينبغي أن تُقرأ أيضاً باعتبارها مؤشراً اجتماعياً على مدى نجاح السياسات العمومية في إنتاج الأمل.
ثالثاً: الفساد لا يسرق المال فقط… بل يسرق الثقة
الفساد ليس مجرد خسارة مالية.
إنه أخطر من ذلك.
إنه يضرب الإحساس بالمساواة أمام القانون، ويضعف ثقة المواطن في المؤسسات، ويخلق شعوراً بأن الطريق إلى الفرصة قد لا يمر دائماً عبر الكفاءة والاستحقاق.
وحين يعتقد المواطن أن المال أو النفوذ أو العلاقات يمكن أن تتقدم على القانون والاستحقاق، فإن الضرر يصيب جوهر الدولة نفسها.
لذلك فإن محاربة الفساد ليست حملة أخلاقية فقط.
إنها معركة من أجل الثقة في الدولة.
فكلما شعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤولية لا تحمي صاحبها من المحاسبة، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن تضارب المصالح لا يتحول إلى امتياز، ازدادت شرعية المؤسسات.
أما حين تتكرر مظاهر الريع والمحسوبية والإفلات من المسؤولية، فإن المواطن يبدأ في طرح السؤال الأخطر:
هل تكافئ الدولة من يستحق، أم من يستطيع الوصول؟
رابعاً: الانتخابات بين تجديد الشرعية وتدوير النخب
هنا نصل إلى قلب المسألة.
الانتخابات ليست مجرد عملية تقنية لاختيار أعضاء البرلمان.
إنها الآلية التي يمنح بها المواطنون تفويضاً سياسياً لمن يرونه قادراً على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في إدارة الشأن العام.
لكن الانتخابات تفقد جزءاً من معناها إذا تحولت إلى مجرد تغيير في الوجوه مع بقاء الاختلالات نفسها.
فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط من فاز.
إنه يريد أن يعرف:
ماذا سيفعل الفائز؟
كيف سيخلق فرص العمل؟
كيف سيحسن التعليم؟
كيف سيطور الصحة؟
كيف سيحارب الفساد؟
كيف سيضمن تكافؤ الفرص؟
كيف سيقلص الفوارق المجالية؟
كيف سيعيد الثقة إلى الشباب؟
وكيف سيجعل الدولة الاجتماعية واقعاً ملموساً لا مجرد شعار؟
من هنا يجب أن ننتقل من:
ديمقراطية الأشخاص
إلى:
ديمقراطية البرامج والنتائج.
خامساً: الناخب ليس مجرد رقم… والمنتخب ليس صاحب شيك على بياض
هناك خلل في الثقافة السياسية ينبغي الاعتراف به.
يظهر المرشح قبل الانتخابات، يطلب الثقة، يقدم الوعود، يتحدث عن المستقبل، ثم تنتهي الحملة ويعود المواطن إلى حياته اليومية.
لكن الديمقراطية الحقيقية تبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
فالمنتخب الذي حصل على صوت المواطن لم يحصل على ملكية هذا الصوت.
لقد حصل على تفويض مؤقت ومسؤولية عامة.
والتفويض يستوجب المتابعة.
والمتابعة تستوجب المحاسبة.
والمحاسبة تستوجب الشفافية.
ومن هنا ينبغي أن تتطور الثقافة الانتخابية من ثقافة:
“من تعرف؟”
إلى ثقافة:
“ماذا قدمت؟”
ومن:
“لمن تنتمي؟”
إلى:
“ماذا أنجزت؟”
ومن:
“ماذا وعدت؟”
إلى:
“ماذا حققت؟”
سادساً: البرلمان بين التشريع وصناعة الأثر
البرلمان مؤسسة مركزية في النظام السياسي.
لكن قيمة البرلمان لا ينبغي أن تقاس بعدد القوانين التي صادق عليها فقط، بل أيضاً بقدرته على مراقبة السياسات العمومية، ومساءلة الحكومة، والدفاع عن المصلحة العامة، والتعبير عن انشغالات المواطنين.
فالنائب البرلماني ليس مجرد رقم داخل الأغلبية أو المعارضة.
إنه ممثل لمواطنين منحوه ثقتهم.
ولهذا فإن السؤال المشروع هو:
هل يشعر المواطن أن صوته يصل إلى البرلمان؟
وهل يجد النائب بعد انتخابه طريقاً مفتوحاً للتواصل مع المواطنين؟
وهل يقدم حصيلة واضحة عن عمله؟
وهل يمكن للمواطن أن يقارن بين ما وعد به المرشح وما أنجزه؟
إن بناء هذه الثقافة سيجعل الانتخابات أكثر نضجاً، وسيجعل النائب أكثر ارتباطاً بمسؤوليته.
سابعاً: الشباب هو الاختبار الحقيقي للدولة
يمكن قياس نجاح السياسة العمومية من خلال أرقام النمو والاستثمار والمشاريع الكبرى.
لكن هناك مؤشراً أكثر حساسية:
كيف يرى الشباب مستقبله؟
إذا رأى الشاب أن بلده يمنحه فرصة للتعلم والعمل والإبداع وتأسيس الأسرة والعيش الكريم، فسوف يصبح الوطن فضاءً للمستقبل.
أما إذا أصبح يشعر بأن سنوات الدراسة تنتهي بالبطالة، وأن الطريق إلى الفرصة غامض، وأن الهجرة هي الحل الأقرب، فإن الخلل لا يعود في الشباب.
بل يصبح السؤال موجهاً إلى السياسات التي صنعت هذا الشعور.
ولهذا فإن الشباب ينبغي ألا يكون مجرد خزان انتخابي تستدعيه الأحزاب في الحملات.
بل يجب أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة السياسات.
ثامناً: الدولة الاجتماعية لا تُقاس بالشعار
الدولة الاجتماعية ليست عبارة سياسية جميلة.
إنها اختبار يومي.
تظهر في قدرة المواطن على العلاج.
وفي جودة التعليم.
وفي فرص العمل.
وفي الحماية الاجتماعية.
وفي عدالة الأجور.
وفي تكافؤ الفرص.
وفي حماية الفئات الهشة.
وفي تمكين المواطن من العيش بكرامة.
ومن هنا فإن السؤال السياسي الجوهري ليس:
هل نعلن الدولة الاجتماعية؟
بل:
هل يشعر المواطن فعلاً أنه يعيش في دولة اجتماعية؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الخطاب والواقع.
تاسعاً: ماذا نريد من الانتخابات المقبلة؟
ينبغي ألا يكون السؤال:
من سيفوز؟
فهذا سؤال انتخابي محدود.
السؤال الأعمق هو:
أي مشروع اجتماعي واقتصادي وسياسي نريد؟
نريد انتخابات تجعل البرنامج أهم من الصورة.
والكفاءة أهم من الولاء.
والنزاهة أهم من النفوذ.
والنتائج أهم من الشعارات.
والمحاسبة أهم من التبرير.
نريد أن يصبح المواطن قادراً على مقارنة البرامج لا الأشخاص فقط.
وأن يصبح المنتخب مطالباً بتقديم حصيلة لا مجرد خطاب.
وأن تصبح الأحزاب مطالبة بتقديم مشروع واضح وقابل للقياس.
عاشراً: من شرعية الصندوق إلى شرعية الإنجاز
الصندوق يمنح الشرعية الانتخابية.
لكن الإنجاز هو الذي يمنح الشرعية السياسية المستمرة.
قد يصل حزب إلى السلطة عبر الانتخابات، لكن استمرار الثقة فيه لا يتوقف على عدد الأصوات التي حصل عليها يوم الاقتراع.
بل على ما يفعله بعد ذلك.
فالشرعية السياسية لا ينبغي أن تكون حدثاً يقع مرة كل خمس سنوات.
إنها علاقة مستمرة بين المواطن والمؤسسات.
كل مشروع ناجح يقويها.
كل إصلاح حقيقي يقويها.
كل محاسبة نزيهة تقويها.
كل فرصة عمل تقويها.
كل مدرسة جيدة تقويها.
كل مستشفى يحفظ كرامة المواطن يقويها.
وكل حالة فساد لا تجد طريقها إلى المحاسبة تضعفها.
وهكذا يصبح الإنجاز جزءاً من الشرعية.
الحادي عشر: المطلوب ليس إسقاط المؤسسات وإنما جعلها أكثر فعالية
النقد السياسي المسؤول لا يعني هدم الثقة في الدولة.
بل العكس.
إن أقوى نقد هو الذي يريد للمؤسسات أن تكون أقوى.
وللبرلمان أن يكون أكثر فعالية.
وللأحزاب أن تكون أكثر ديمقراطية.
وللانتخابات أن تكون أكثر تعبيراً عن الإرادة الشعبية.
وللقانون أن يكون أكثر حضوراً.
وللإدارة أن تكون أكثر خدمة للمواطن.
وللحكومة أن تكون أكثر قدرة على تحقيق النتائج.
إن بناء الدولة لا يكون بتقديس المؤسسات ولا بتدميرها.
بل بتقويمها وتطويرها وربط السلطة بالمسؤولية.
الثاني عشر: نحو عقد انتخابي جديد
ربما يحتاج المغرب اليوم إلى ما يمكن تسميته:
“العقد الانتخابي الجديد”
وهو ليس قانوناً جديداً بالضرورة، وإنما ثقافة سياسية جديدة.
ثقافة تقوم على سبعة مبادئ:
- المواطن أولاً.
- البرنامج قبل الشخص.
- الكفاءة قبل الولاء.
- الشفافية قبل التبرير.
- الإنجاز قبل الدعاية.
- المحاسبة بعد التفويض.
- المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.
إذا تحولت هذه المبادئ إلى ثقافة سياسية وممارسة مؤسساتية، فإن الانتخابات ستنتقل من مجرد مناسبة للتنافس على السلطة إلى وسيلة لتصحيح المسار الوطني.
الخاتمة: حين يصبح السؤال “ماذا سيتغير؟”
المغرب لا يحتاج فقط إلى انتخابات جديدة.
إنه يحتاج إلى وعي انتخابي جديد.
وعي يجعل المواطن يدرك أن صوته ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما هو أداة للمشاركة في تحديد اتجاه الدولة.
ويجعل الأحزاب تدرك أن الانتخابات ليست موسم وعود، وإنما امتحان للمشاريع والكفاءات.
ويجعل المنتخب يدرك أن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الطريق، وإنما بداية للمساءلة.
ويجعل الحكومة تدرك أن نجاحها لا يقاس فقط بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يراه المواطن في حياته.
إن الهجرة، والبطالة، والفساد، والفقر، والتفاوتات، وضعف بعض الخدمات، ليست ملفات منفصلة.
إنها كلها أسئلة تتقاطع عند سؤال واحد:
هل يشعر المواطن أن وطنه يمنحه حقه في الكرامة والفرصة والمستقبل؟
وهنا تتجاوز الانتخابات حدود الصندوق.
إنها تصبح امتحاناً للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وامتحاناً لقدرة المؤسسات على تحويل النص إلى واقع.
وامتحاناً لقدرة الأحزاب على إنتاج البدائل.
وامتحاناً لقدرة المواطن على ممارسة حقه السياسي بوعي ومسؤولية.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الانتخابات المغربية ليس:
من سيفوز؟
بل:
ماذا سيتغير بعد الفوز؟
فإذا تغيرت الوجوه وبقيت الاختلالات، فإننا نكون أمام تداول انتخابي لا يرقى إلى مستوى التحول السياسي.
أما إذا أصبح صوت المواطن قادراً على اختيار الكفاءة، ومكافأة الإنجاز، ومعاقبة التقصير، وفرض الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الانتخابات تصبح أكثر من عملية ديمقراطية دورية.
تصبح أداة من أدوات بناء الدولة القوية والعادلة.
وعندها فقط يمكن أن نقول:
إن الإرادة المجتمعية لم تعد مجرد أصوات متفرقة داخل صناديق الاقتراع، وإنما أصبحت قوة سياسية واعية قادرة على تصحيح المسار وصناعة المستقبل.
فالمواطن ليس رقماً في سجل انتخابي.
إنه شريك في الوطن، وصاحب حق، وصاحب صوت، وصاحب مستقبل.
والدولة التي تريد أن تكون قوية حقاً، ليست هي التي تجعل المواطن يخاف من مؤسساتها، وإنما التي تجعل المواطن يثق في مؤسساتها، ويشعر أن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه.
